كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ
تقرير حقيقة القرآن: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردعٌ لهم عن اقتراحهم وإعراضهم، وأن الضمير في {إِنَّهُ} عائد على القرآن؛ أي إن هذا القرآن تذكرةٌ وعظةٌ لمن اتَّعظ به. ونقل عن قتادة نحو ذلك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد أن هذه السورة أو القرآن تذكرة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التذكرة ما يُتذكَّر به الحق بعد نسيانه؛ وأن تنكيرها للتعظيم. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة والخمسين من السورة، أن هذا الختام رجوعٌ إلى ما بُدئت به السورة من الأمر بالإنذار؛ فالتذكرة هي مادة الإنذار وثمرته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد الردع في الآية السابقة؛ فتكرَّرت {كَلَّا} مرتين متتاليتين: الأولى لهدم دعواهم، والثانية لبناء الحق مكانها. وهذا من أحكم ما يكون في الختام: أن يُنقض الباطل ثم يُقرَّر الحق في نَفَسٍ واحد. ثم إن هذه الآية تردُّ على مطلع السورة؛ فقد قيل في أولها {قُمْ فَأَنذِرْ}، وقيل هنا {إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ}؛ فالإنذار في أولها والتذكرة في آخرها؛ وبينهما ما بين الوسيلة والغاية. وهي أيضاً موافقة لخاتمة السورة السابقة؛ فقد ختمت المزمل بقوله: {إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا}؛ فجاءت خاتمة المدثر على النسق نفسه لفظاً ومعنى؛ وهذا من أظهر أدلة التلاحم بين السورتين.