وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ
ثالث الأسباب: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وكنا نخوض في الباطل مع أهله ونتحدث بما يتحدثون به من التكذيب والاستهزاء. ونقل عن قتادة قوله: كلما غوى غاوٍ غوينا معه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الخوض هو الكلام في الباطل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الخوض أصله في الماء ثم استُعير للدخول في الحديث؛ وأنه لا يُستعمل غالباً إلا فيما يُذمُّ. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة والأربعين من السورة، أن قولهم {مَعَ الْخَائِضِينَ} اعترافٌ بأن الباعث لهم كان المجاراة والتقليد لا الاقتناع؛ فهم أقرُّوا على أنفسهم بالإمَّعية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الخوض ثالثاً بعد ترك الصلاة ومنع الطعام؛ فانتقل الإقرار من أفعال الجوارح إلى آفة اللسان والمجالس. وهذا الترتيب دقيق؛ إذ من انقطعت صلته بالله وقسا قلبه على الخلق لم يبق ما يعصمه من مجاراة أهل الباطل. ثم جاء بعده التكذيب بيوم الدين؛ فكان الخوض جسراً بين ترك العمل وبين فساد الاعتقاد؛ إذ المجالسة تجرُّ إلى الموافقة، والموافقة تجرُّ إلى الاعتقاد. وهذا هو الترتيب النفسي الحقيقي لانحدار الإنسان؛ فالسورة لا تعدُّ أسباباً متفرقة بل ترسم مساراً متصلاً.