لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
فتح باب الاختيار: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدَّم في طاعة الله وإلى الخير، أو يتأخَّر عنه فيتخلَّف. ونقل عن قتادة قوله: من شاء تقدَّم في طاعة الله، ومن شاء تأخَّر عن طاعة الله. وقيل: يتقدَّم إلى الجنة أو يتأخَّر إلى النار. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد: لمن أراد أن يتقدَّم إلى الهدى أو يتأخَّر عنه إلى الضلال. وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر: أن يتقدَّم فيبادر بالتوبة أو يتأخَّر فيسوِّف. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة والثلاثين من السورة، أن هذه الآية بدلٌ من {لِّلْبَشَرِ} في الآية قبلها بدل بعضٍ من كل؛ لأن الإنذار وإن عمَّ البشر إلا أن الانتفاع به خاصٌّ بمن شاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بدلاً من {لِّلْبَشَرِ}؛ فبعد تعميم الإنذار جاء تخصيص الانتفاع. وهذا الترتيب بديع: عمَّ في البلاغ وخصَّ في الثمرة؛ لأن البلاغ واجبٌ على المنذِر، والانتفاع اختيارٌ للمنذَر. ثم إن هذه الآية تمهِّد لما بعدها من قوله {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}؛ فمن تقدَّم فُكَّ رهانه، ومن تأخَّر بقي مرهوناً. فبينهما تلازمٌ في المعنى. كما تتصل هذه الآية بخاتمة السورة {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ}؛ فتكرَّر إثبات مشيئة العبد في السورة مرتين، مقابلاً لإثبات مشيئة الرب في {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}؛ فبُني ختام السورة على هذا التوازن.