ثُمَّ نَظَرَ
ثُمَّ نَظَرَ
استئناف عرض الأفعال: {ثُمَّ نَظَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم نظر فيما فكَّر فيه وقدَّر؛ أي أعاد النظر في رأيه ليتبيَّن وجه الحيلة. وقيل: نظر في وجوه القوم ينتظر ما يقولون. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنه نظر وتأمَّل ماذا يقول. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن النظر هنا يحتمل نظر البصر ونظر الفكر؛ فإن نُظر إلى ما قبله من {فَكَّرَ وَقَدَّرَ} فهو نظر تأمُّل، وإن نُظر إلى ما بعده من {عَبَسَ وَبَسَرَ} فهو نظرٌ في الوجوه أو في الأمر ليختار. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من السورة، أن حذف متعلَّق النظر يجعله صالحاً للوجهين، وأن المقصود تصوير تردُّده وتلبُّثه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي نقطة التحوُّل في المقطع كله؛ فما قبلها من {فَكَّرَ} و{قَدَّرَ} أعمالٌ باطنة لا تُرى، وما بعدها من {عَبَسَ} و{بَسَرَ} و{أَدْبَرَ} و{اسْتَكْبَرَ} آثارٌ ظاهرة على الوجه والبدن. فجاء {نَظَرَ} جسراً بين الباطن والظاهر؛ إذ النظر أول ما يظهر من عمل النفس على الجوارح. ولذلك اقتصرت الآية على كلمتين؛ لأنها لحظةُ عبورٍ لا لحظةُ استقرار. وموقعها بعد الدعاء المكرَّر عليه يزيدها وقعاً؛ فكأن السياق يقول: بعد كل هذا اللعن، عاد ينظر ولم يرجع.