لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ
لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ
أول أوصافها: {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أقوال أهل التأويل؛ وحاصلها: لا تُبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً؛ وقيل: لا تُبقي منهم شيئاً إلا أهلكته ولا تذرهم إذا أُعيدوا خلقاً جديداً. ونقل عن مجاهد وقتادة نحو هذا. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنها تأكل لحومهم وعظامهم ثم يُعادون كما كانوا فتعود. وذكر الواحدي في "التفسير الوسيط"، عند تفسير هذه الآيات، أن معنى {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ}: لا تُبقي لهم لحماً إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أُعيدوا خلقاً جديداً. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من السورة، أن حذف مفعولَي الفعلين لقصد التعميم؛ أي لا تُبقي شيئاً ولا تذر شيئاً، فلا تختص بشيء دون شيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف أول ما أُجيب به عن السؤال في الآية قبله؛ فبعد التهويل بالاستفهام جاء البيان بأخصر عبارة وأشملها. ثم أُتبع بـ{لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} ثم {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}؛ فتدرَّج الوصف من أثرها في الباطن (لا تُبقي ولا تذر) إلى أثرها في الظاهر (لوَّاحة للبشر) إلى من يقوم عليها (تسعة عشر). وهذا ترتيبٌ من الداخل إلى الخارج إلى المحيط؛ وهو ترتيب يوسِّع دائرة التصور شيئاً فشيئاً. وموقع الآية في نهاية القسم الأول من السورة يجعلها خاتمةً مناسبة؛ إذ تركت السامع في ذروة الهول ليستقبل ما بعده.