كَلَّا وَالْقَمَرِ
كَلَّا وَالْقَمَرِ
انتقالٌ إلى القسم بعد البيان: {كَلَّا وَالْقَمَرِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردعٌ لمن استهزأ بعدد الخزنة وزجرٌ له عن مقالته؛ ثم ابتدأ القسم بقوله {وَالْقَمَرِ}. وقيل: {كَلَّا} بمعنى "حقاً" فتكون توطئةً للقسم. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا قسمٌ من الله بمخلوقاته العظيمة على عِظَم شأن سقر. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الله يُقسم بما شاء من خلقه، وليس للعباد أن يُقسموا إلا بالله؛ لأن قسم الله بمخلوقاته تنبيهٌ على عظمتها ودلالتها على قدرته. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية والثلاثين من السورة، أن اختيار القمر أول المقسم به مناسبٌ لمقام ذكر النار؛ إذ القمر نورٌ في ظلمة، وسقر نارٌ في ظلمة؛ فبينهما تقابل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القسم بعد الآية الطويلة التي بيَّنت حكمة العدد؛ فبعد البيان بالحجة جاء التوكيد بالقسم. وهذا ترتيبٌ محكم: إذ البرهان يُقنع العقل، والقسم يُثبِّت القلب. وقد افتُتح القسم بـ{كَلَّا} ليقطع أثر الاستهزاء قبل أن يبدأ التوكيد. ثم إن ترتيب المقسم به على ثلاث درجات — القمر، ثم الليل إذ أدبر، ثم الصبح إذا أسفر — يرسم مساراً من النور المستمَد إلى الظلام المنقضي إلى الضياء المقبل؛ وهو مسارٌ يوافق حال المنذَرين: نورٌ ضعيف من الفطرة، ثم ظلمة الجحود، ثم إسفار الحق بالوحي. فبين المقسم به والمقسم عليه مناسبةٌ دقيقة لا تظهر إلا بالتأمل.