ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ
اكتمال موقف الرفض: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم أدبر عن الحق والإيمان معرضاً، واستكبر عن أن يتَّبع النبي ﷺ ويقرَّ بالتوحيد. ونقل عن قتادة ومجاهد نحوه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن الإدبار هو التولِّي عن الحق، والاستكبار هو الأنَفة عن الانقياد له. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الإدبار قد يكون بالبدن عن المجلس، وقد يكون بالقلب عن الحق؛ والوجهان مرادان. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من السورة، أن الاستكبار هو العلة الجامعة التي انبنى عليها موقفه كله، وأن ذكره بعد الإدبار بيانٌ لسببه؛ فأدبر لأنه استكبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تكتمل حلقات الرفض؛ فبعد أن كان الأمر تفكيراً في السر، ثم عبوساً على الوجه، صار الآن إدباراً بالبدن واستكباراً في القلب. وقد جاء {اسْتَكْبَرَ} خاتمة للأفعال قبل النطق؛ لأنه هو العلة الحقيقية لكل ما سبق. ثم أُتبع في الآية بعده بالنطق: {فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ}؛ فجاء القول بالفاء لا بـ"ثم"؛ لأن النطق نتيجة مباشرة للاستكبار بلا مهلة. وهذا الفرق بين حروف العطف في السياق الواحد من أدق ما يُلتفت إليه؛ فحيث كانت المهلة والترقي جاءت "ثم"، وحيث كانت النتيجة الفورية جاءت الفاء. ويتصل هذا بمطلع السورة {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}؛ فبينهما تقابل: تكبيرُ الرب في مقابل استكبار العبد.