وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
بعد الأمر بالإنذار يأتي أول ما يُبنى عليه الإنذار: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وربَّك فعظِّمه ونزِّهه عن الشريك والولد والصاحبة، وأفرده بالتعظيم دون ما سواه من الآلهة التي يعبدها قومك. ونقل عن مجاهد قوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أي عظِّمه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد تخصيصه بالتعظيم، إذ كان المشركون يكبِّرون آلهتهم؛ فأُمر النبي ﷺ بأن يجعل التكبير له وحده. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن العلماء استدلوا بها على مشروعية التكبير في الصلاة وفي مواضع الشعائر، وأن أول ما يُفتتح به المقام هو تكبير الرب. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة المدثر، أن تقديم المفعول {وَرَبَّكَ} على فعله يفيد القصر والاختصاص؛ أي وربَّك خُصَّه بالتكبير لا غيره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر بالتكبير عقب الأمر بالإنذار مباشرة؛ لأن الإنذار لا يقوم إلا على تعظيم المُنذِر المُرسِل. فمن لم يمتلئ قلبه بكِبَر الله لم يستطع أن يواجه بكلمة الحق كِبَرَ الطواغيت وسطوة الصناديد. وهو أيضاً أول الأوامر الخمسة التي تلي القيام؛ فبُدئ بالباطن العقدي قبل الظاهر الحسي في الآية بعده {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}. ويتصل هذا بسياق السورة كلها؛ إذ ستعرض بعد قليل نموذج من استكبر على الحق: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ}؛ فقُدِّم تكبير الرب في أولها لتكون الموازنة ظاهرة: كِبْرياء الحق في مقابل كِبْر الخلق.