وَبَنِينَ شُهُودًا
وَبَنِينَ شُهُودًا
ثاني النعم المعدودة: {وَبَنِينَ شُهُودًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وجعلتُ له بنين حضوراً معه بمكة لا يغيبون عنه في تجارةٍ ولا سفر، يشهدون معه المجالس والمحافل، ويستعين بهم ويتقوَّى. ونقل عن مجاهد وقتادة أنهم كانوا عشرة، وعن آخرين أنهم كانوا ثلاثة عشر. وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، عند تفسير هذه الآيات، عن سعيد بن جبير أنه كان له ثلاثة عشر ولداً كلهم ربُّ بيت. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن معنى {شُهُودًا} أنهم حضورٌ عنده لا يغيبون؛ لأنهم أغنياء عن السفر لطلب الرزق بما أفاء الله على أبيهم. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن من ولده من أسلم فحسن إسلامه، ومنهم من مات على الشرك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر البنين بعد المال؛ لأن هذين هما ركنا الفخر في الجاهلية، وقد قُرن بينهما في القرآن في مواضع كثيرة. ثم إن وصفهم بالشهود قيدٌ يزيد النعمة تماماً؛ فإن كثرة الولد قد تكون مع غيابهم في طلب المعاش فلا يُنتفع بهم، فلما جاء الوصف بالحضور تمَّت النعمة من وجهين: كثرةٌ وقُرب. وموقع الآية بين {مَالًا مَّمْدُودًا} و{وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا} يجعلها الحلقة الوسطى في سلسلة الإنعام؛ فالمال قوة، والبنون عزوة، والتمهيد مكانة؛ وبها تكتمل أسباب السؤدد الدنيوي كلها في رجل واحد، ليكون جحوده بعد ذلك أفظع ما يكون.