عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
ثالث الأوصاف وأشدُّها إثارةً للجدل عندهم: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: على سقر تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها. ونقل عن ابن عباس وقتادة والضحاك نحو ذلك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنهم تسعة عشر من الملائكة، وهم الخزنة. وذكر الواحدي في "التفسير الوسيط"، عند تفسير هذه الآيات، أن المفسرين قالوا: على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها. وذكر أهل التفسير أن نزول هذه الآية أثار في قريش قولاً؛ فقد ذكر البلنسي في "تفسير مبهمات القرآن"، عند تفسير الآية الحادية والثلاثين، ما رُوي أن أبا جهل قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أما سمعتم ما يخبركم به أن خزنة النار تسعة عشر، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجلٍ منهم؛ فقال أبو الأشدين — واسمه كَلَدة بن أُسيد الجُمَحي وكان شديد البطش —: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين؛ فأنزل الله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً}. وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، عند تفسير هذه الآية، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي ﷺ عن خزنة جهنم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر العدد خاتمةً لأوصاف سقر الثلاثة؛ فبعد ذكر فعلها في الباطن وأثرها في الظاهر جاء ذكر من يقوم عليها. وقد حُذف المعدود قصداً ليقع في نفس السامع سؤال: تسعة عشر ماذا؟ فيأتي الجواب في الآية بعدها. وهذا الحذف هو الذي فتح الباب لتلك المقالة التي قالها أبو جهل؛ إذ توهَّم أنهم رجالٌ يُقاومون. فجاءت الآية الحادية والثلاثون بجواب مفصَّل طويل ليس في السورة مثله؛ فتحوَّلت هذه الآية القصيرة إلى مفتاحٍ لأطول آيةٍ في السورة. وفي هذا من إحكام البناء ما يُذهل؛ إذ صار حذفٌ واحد سبباً في مقطعٍ كامل من الرد والبيان.