وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ
رابع الأسباب وأصلها: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وكنا نكذِّب بيوم الحساب والجزاء. ونقل عن قتادة ومجاهد أن يوم الدين هو يوم الحساب. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا هو أصل بلائهم؛ إذ من كذَّب بيوم الجزاء هان عليه كل معصية. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الدين" هنا بمعنى الجزاء؛ ومنه قولهم: كما تدين تُدان؛ أي كما تفعل تُجازَى. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة والأربعين من السورة، أن تأخير هذا السبب مع كونه أصل الأسباب من باب الترقي في الذكر؛ إذ يُساق الأخفُّ أولاً ثم يُختم بالأعظم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا السبب رابعاً وأخيراً في التعداد مع أنه أصلها جميعاً؛ وهذا من الترقي في الذكر؛ إذ سيق الأخفُّ في نظر الناس أولاً وخُتم بالأعظم. وفيه دلالة أخرى: أن التكذيب بيوم الدين هو الجامع الذي تفرَّعت عنه الثلاثة قبله؛ فمن كذَّب بالحساب لم ير للصلاة معنى، ولم ير لإطعام المسكين ثمرة، ولم يجد ما يمنعه من الخوض. فرتَّب السياق الآثار أولاً ثم كشف عن العلة؛ وهذا هو منهج القرآن في كثير من المواضع. ثم أُتبع بقوله {حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ}؛ فبيَّن أن هذا الحال استمرَّ إلى الموت؛ فلم يكن ثمة توبة تقطعه.