لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
تفتتح السورة بقسم إلهي على أعظم قضية جادلت فيها قريش: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة القيامة، أن أهل التأويل اختلفوا في "لا" هذه على قولين: فذهب جماعة إلى أنها صلة زائدة دخلت لتوكيد الكلام كما تدخل في نظائرها، والمعنى: أقسم بيوم القيامة؛ وذهب آخرون إلى أنها نفي لكلام تقدّم من إنكار المشركين، ثم استُؤنف القسم؛ أي: ليس الأمر كما زعمتم، أقسم بيوم القيامة. ورجّح الطبري أن دخولها للتوكيد لأن العرب تفعل ذلك في مواضع القسم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع السورة، على أن المقصود إثبات المعاد والردّ على الجاحدين، وأن الله أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه وتنبيهاً على هوله. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن الله يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد أن يقسم بغير الله. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة القيامة، أن القسم هنا مسوق لتحقيق الخبر المنكَر عند المخاطبين، وأن اختيار "يوم القيامة" مقسَماً به مع كونه هو المقسَم عليه من أبدع ما يكون في الاحتجاج؛ إذ يجعل المنكَر نفسه شاهداً على نفسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا المطلع متصل بخاتمة سورة المدثر أوثق اتصال؛ فقد ختمت تلك السورة بأن القوم لا يخافون الآخرة وأنهم عن التذكرة معرضون، فجاءت هذه السورة تُقسم على تلك الآخرة التي لم يخافوها، وتضع بين أيديهم برهانها ومشاهدها. ثم إن الآية مهّدت للقسم الثاني في الآية بعدها {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}، فاجتمع الشاهد الخارجي والشاهد الداخلي؛ ثم انتقل النظم من القسم إلى المقسَم عليه في صورة استفهام إنكاري: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ...}؛ فالبناء يسير من التوكيد إلى التقرير إلى الاحتجاج.