يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
تفتتح السورة بنداءٍ يحمل من اللطف ما يحمل من الجلال: نداءٌ للنبي ﷺ بالحال التي هو عليها ساعة الخطاب. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وهو يحدث عن فترة الوحي، أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعتُ بصري فإذا الملَك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فرُعبتُ منه، فرجعتُ فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني، فدثَّروني، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}، ثم حَمِيَ الوحي وتتابع». وفي رواية أخرى عند أهل التفسير أنه ﷺ قال: «دثِّروني دثِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً». وذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المدثر، أن أهل التأويل قالوا: كان متدثِّراً بقطيفة أو بثيابه حين فاجأه الوحي فناداه الله بتلك الحال. ونقل السمعاني في تفسيره، عند تفسير مطلع السورة، الجمع المشهور بين هذا الحديث وحديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي المخرَّج في الصحيحين: أن أول ما نزل من القرآن مطلقاً صدر سورة العلق، وأن أول ما نزل بعد فتور الوحي صدر سورة المدثر؛ فلا تعارض. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المدثر، أن النداء بالوصف الطارئ دون الاسم العلَم إيناسٌ للمنادَى وتلطُّفٌ به قبل تحميله ثقل الرسالة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا المطلع يتصل بمطلع السورة التي قبلها اتصال التوأم بتوأمه: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} ثم {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}؛ نداءان بوصفين متقاربين، وبناءان صرفيان متماثلان في الإدغام. غير أن ما بعد كل نداء يفترق: المزمل مضت إلى قيام الليل وترتيل القرآن، والمدثر تمضي إلى القيام للناس بالإنذار. فكان النداءان مدخلين إلى شطري حياة الداعية: خلوةٌ تُبنى بها النفس، وجَلوةٌ يُبلَّغ بها الناس. وفي السورة نفسها مهَّد هذا النداء لسبعة أوامر متتابعة تبدأ من الآية الثانية، فكان بمنزلة قرع الباب قبل الدخول.