فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ
فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ
إثبات اختيار العبد: {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فمن شاء أن يذكر هذا القرآن ويتَّعظ به ذكره واتَّعظ. ونقل عن قتادة نحوه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المعنى: من شاء ذكر الله وتذكَّر بهذا القرآن واهتدى به. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الضمير في {ذَكَرَهُ} عائد على القرآن أو على الوعظ؛ والمعنى واحد. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة والخمسين من السورة، أن هذه الآية تفريعٌ على ما قبلها؛ إذ لما تقرَّر أنه تذكرة تفرَّع عليه أن الانتفاع بها موقوفٌ على مشيئة المنتفع، ثم جاءت الآية بعدها لبيان أن مشيئته لا تستقلُّ عن مشيئة الله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مفرَّعة على ما قبلها بالفاء؛ فلمَّا تقرَّر أن القرآن تذكرة تفرَّع عليه أن من شاء انتفع بها. وهي نظير قوله في السورة نفسها: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}؛ فتكرَّر إثبات مشيئة العبد في السورة مرتين. ثم جاءت الآية بعدها لتُتبع ذلك بإثبات مشيئة الرب: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}؛ فبُني ختام السورة على هذين الأصلين المتلازمين. وهذا التوازن هو الذي يحفظ العبد من الوقوع في أحد الغلوَّين: غلوِّ من نفى الاختيار فأبطل التكليف، وغلوِّ من ادَّعى الاستقلال فنازع الربوبية. وهو أيضاً موافق لخاتمة سورة المزمل: {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا}.