فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ
فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ
حال المستثنين: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: هم في بساتين وجنات يسأل بعضهم بعضاً. ونقل في متعلَّق التساؤل قولين: أنهم يتساءلون بينهم، وأنهم يسألون المجرمين؛ ورجَّح أن الظرف {فِي جَنَّاتٍ} خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: هم. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنهم في الجنات يسأل بعضهم بعضاً عن المجرمين وما صنع الله بهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التساؤل هنا تفاعلٌ من السؤال؛ ويحتمل أن يكون بينهم، ويحتمل أن يكون منهم للمجرمين؛ ثم قال: والأول أظهر لأن الآية بعده بيَّنت المسؤول عنه لا المسؤول. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأربعين من السورة، أن ذكر التساؤل في مقام النعيم إشارةٌ إلى أن من تمام لذَّتهم استحضار ما نجوا منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من التقرير إلى المشهد؛ فبعد الاستثناء المجرد جاء تصوير حالهم. ثم إن ذكر التساؤل هنا يمهِّد لما بعده؛ إذ سيُبيَّن المسؤول عنه في الآية التالية {عَنِ الْمُجْرِمِينَ}، ثم يُساق السؤال نفسه {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}، ثم يأتي الجواب في أربع آيات. فهذه الآية مفتاح المشهد الحواري كله. وهذا الأسلوب — أن يُذكر التساؤل مبهماً ثم يُبيَّن — نظير ما في مطلع سورة النبأ: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}؛ فبين السورتين تشابهٌ في هذا الأسلوب مع اختلاف المقام: هناك تساؤل إنكارٍ في الدنيا، وهنا تساؤل استكشافٍ في الآخرة.