كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ
كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ
الردع وكشف العلة: {كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {كَلَّا} ردعٌ لهم عن اقتراحهم وزجرٌ؛ أي ليس الأمر كما يريدون ولا يُعطون ما اقترحوا. وأن قوله {بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ} بيانٌ للعلة الحقيقية؛ أي ليس امتناعهم لعدم البيان، بل لأنهم لا يخافون البعث والحساب. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا هو الداء الأصلي: عدم الخوف من الآخرة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {بَلْ} هنا للإضراب عن كون الاقتراح سبباً، وإثبات أن السبب هو انتفاء الخوف. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة والخمسين من السورة، أن اجتماع {كَلَّا} و{بَلْ} في جملة واحدة توكيدٌ للردع مع الانتقال إلى بيان السبب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتقطع الطريق على كل ما تقدَّم من دعاواهم؛ فبعد أن ذُكر نفارهم واقتراحهم جاء الردع ثم بيان العلة. وهي الآية المفصلية في المقطع الأخير؛ إذ ردَّت الأمر كله إلى أصله. ولاحظ الترابط بينها وبين ما تقدَّم في السورة: فقد أقرَّ المجرمون في النار بأنهم كانوا يكذِّبون بيوم الدين؛ وجاء هنا أن هؤلاء لا يخافون الآخرة؛ فاتفق إقرار الأولين مع وصف الآخرين؛ فالعلة واحدة في الفريقين. ثم جاءت خاتمة السورة بعدها مباشرة: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ}؛ فتكرَّرت {كَلَّا} في آيتين متتاليتين: الأولى للردع عن الباطل، والثانية لتقرير الحق؛ فكان الختام مبنيّاً على هذا التقابل.