إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ
إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ
الاستثناء من عموم الرهن: {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أقوال أهل التأويل في {أَصْحَابَ الْيَمِينِ}؛ فقيل: هم المسلمون الذين يُؤتون كتبهم بأيمانهم؛ وقيل: هم أطفال المسلمين؛ وقيل: هم الملائكة. ورجَّح الطبري أنهم أهل السعادة والجنة الذين فُكَّت رقابهم من الرهن بصالح أعمالهم. ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن الحسن وقتادة نحو ذلك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنهم أهل اليمين الذين نجوا من الرهن. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن تسميتهم بأصحاب اليمين لأخذهم كتبهم بأيمانهم، أو لأنهم يُؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، أو لأنهم أصحاب اليُمن والبركة. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة والثلاثين من السورة، أن الاستثناء متصلٌ من عموم {كُلُّ نَفْسٍ}؛ إذ الاستثناء من العموم بعد استقراره أبلغ في التنويه بالمستثنى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الاستثناء بعد استقرار العموم؛ فوقع موقعه من التنويه بالمستثنى؛ إذ لو ذُكروا ابتداءً لم يكن لذكرهم هذا الوقع. ثم إن السياق انتقل بعدهم مباشرة إلى وصف حالهم: {فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ}؛ فبُني على هذا الاستثناء مشهدٌ حواريٌّ كامل يمتدُّ إلى الآية السابعة والأربعين. وهذا من أبدع الانتقالات: إذ خرج السياق من التقرير القانوني إلى المشهد الحي في كلمتين. ثم إن ذكر أصحاب اليمين هنا يقابل ذكر المجرمين بعده؛ فالسورة التي عرضت في أولها نموذج المكذب المستكبر تعرض هنا الفريقين معاً في مشهدٍ واحد؛ فتكتمل الموازنة.