قُمْ فَأَنذِرْ
قُمْ فَأَنذِرْ
عقب النداء الملاطِف يأتي الأمر الحاسم: {قُمْ فَأَنذِرْ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: قم من مضجعك ودَعْ دثارك فأنذر قومك عذاب الله إن لم يتوبوا من كفرهم. ونقل عن قتادة والسدي أن الإنذار هنا عامٌّ لأهل مكة ثم للناس كافة. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن هذا هو أول تكليف بالبلاغ العام؛ فإن سورة العلق كانت تنبئةً بالنبوة وإقراءً، وهذه الآية بعثٌ بالرسالة وإنذاراً. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن أول ما أُمر به الإنذار قبل التبشير؛ لأن المقام مقام قومٍ غارقين في الشرك، وحاجتهم إلى التخويف أشد. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، أن {قُمْ} تحتمل القيام الحقيقي من مكانه، وتحتمل أن تكون كناية عن الشروع في الفعل والجدِّ فيه، كما يقال: قام فلان بالأمر؛ والوجهان مرادان معاً، فالقيام الحسي مبدأ القيام المعنوي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأمر بالقيام مقابلاً للنداء بالتدثُّر مقابلةً مقصودة؛ فالدثار غطاءٌ وسكون، والقيام كشفٌ وحركة. ثم إن هذا الأمر هو الأصل الذي تفرَّعت عنه الأوامر الخمسة بعده؛ فالتكبير والتطهير وهجر الرجز وترك المنِّ والصبر كلها شروطٌ ولوازم لصحة هذا القيام واستمراره. وهو أيضاً مفتاح السورة كلها؛ إذ سائر ما فيها من تصوير اليوم العسير ومصير المكذب وسقر وخزنتها إنما هو مادة هذا الإنذار وتفصيله. فالسورة من أولها إلى آخرها شرحٌ لهاتين الكلمتين.