وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
ثاني الأسباب: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ولم نك نطعم أهل المسكنة والحاجة. ونقل عن قتادة نحوه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنهم لم يكونوا يُحسنون عبادة ربهم ولا الإحسان إلى خلقه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في الآية دليلاً على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عند من قال بذلك؛ إذ عُوقبوا على ترك الإطعام كما عوقبوا على ترك الصلاة. وأشار المفسرون إلى أن اقتران الصلاة بالإطعام في هذا الموضع نظير اقترانهما في مواضع من القرآن؛ إذ جُمع فيها بين حق الله وحق العباد. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة والأربعين من السورة، أن ذكر الإطعام بخصوصه من بين حقوق الخلق لأنه أظهرها وأمسُّها بحاجة المحتاج.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإطعام ثانياً بعد الصلاة؛ وهذا الاقتران متكرر في القرآن؛ إذ الدين حقٌّ لله وحقٌّ للخلق؛ فمن ضيَّعهما فقد ضيَّع الدين كله. ولاحظ أنهم لم يُسألوا عن الصلاة والإطعام، بل بدؤوا بهما ابتداءً في جوابهم؛ وهذا يدلُّ على أنهما أول ما حضرهم من التقصير حين سُئلوا عن سبب دخولهم. ثم إن ترتيب الأسباب الأربعة يمضي من الأخصِّ إلى الأعمِّ: صلاةٌ خاصة بالله، وإطعامٌ خاصٌّ بالمحتاج، وخوضٌ عامٌّ في المجالس، وتكذيبٌ عامٌّ بالمعاد. وهذا التدرج يوسِّع دائرة الجرم شيئاً فشيئاً حتى تبلغ أصلها.