فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ
تمام التشبيه: {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل اختلفوا في "القسورة"؛ فقال أكثرهم: هو الأسد؛ رُوي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم وعن أبي موسى الأشعري. وقال آخرون: هم الرماة والقُنَّاص؛ رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى وعن عكرمة. وقال بعضهم: هو ركزُ الناس وأصواتهم. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على القولين المشهورين: الأسد والرماة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "القسورة" مأخوذة من "القَسْر" وهو القهر والغلبة؛ فسُمِّي الأسد قسورةً لقهره غيره من السباع، وسُمِّي الرماة قسورةً لقهرهم الصيد. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية والخمسين من السورة، أن اللفظ صالح للمعنيين، وأن كليهما يؤدي غرض التشبيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تمَّت صورة التشبيه؛ فلم يكن التشبيه في الآية السابقة تامّاً حتى ذُكر سبب النفار. وفي فصل تمام التشبيه في آيةٍ مستقلة إبطاءٌ مقصود يجعل الصورة تُرسم على مهل. ثم إن ذكر السبب هو موضع العبرة كلها؛ إذ لو نفرت الحُمُر بلا سبب لكان ذلك بلادةً محضة، ولو فرَّ هؤلاء من مخوفٍ حقيقي لكان لهم عذر؛ ولكن الحُمُر فرَّت من مُهلكٍ حقيقي، وهؤلاء فرُّوا من مُنجٍ؛ فبان الفرق. ثم انتُقل بعدها إلى {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ}؛ فكشف عن الذريعة التي يتعللون بها بعد أن صوَّر حالهم.