ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ظهور أثر القرار على الوجه: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ثم قبض وجهه وكلح وجمع ما بين عينيه تكرُّهاً وتعبيساً. ونقل عن قتادة قوله: عبس وبسر؛ أي كره وكلح. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن العبوس تقطيب الوجه، والبسور شدة الكلوح وظهور أثر الكراهة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أهل اللغة فرَّقوا بين اللفظين: فالعبوس في الوجه، والبسور في زيادةٍ عليه من الكراهة والانقباض حتى يظهر ذلك في سائر الهيئة. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من السورة، أن ذكر هاتين الحالتين تصويرٌ لانفعال داخلي بلغ من الشدة أن انعكس على القسمات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد {ثُمَّ نَظَرَ} مباشرة؛ فتمَّ بها الانتقال من الباطن إلى الظاهر. وترتيب الأفعال في المقطع ترتيب طبيعي دقيق: فكَّر في نفسه، فقدَّر رأيه، فنظر يتثبَّت، فلما لم يجد مخرجاً ظهر الضيق على وجهه فعبس وبسر، ثم ولَّى ظهره فأدبر، ثم علا كِبْره فاستكبر، ثم نطق بما قدَّر. فهذه ثمانية أفعال تُحاكي بالضبط ما يجري في نفس المكابر حين تُحاصره الحجة. ولا يمكن تقديم فعلٍ منها على آخر دون أن تختلَّ الصورة؛ وهذا من أوضح دلائل إحكام النظم القرآني في تصوير الأحوال النفسية.