كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
قاعدة الجزاء الفردي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: كل نفسٍ مرتهنة بعملها مأخوذة به، لا يُؤخذ أحدٌ بذنب غيره. ونقل عن ابن عباس وقتادة والضحاك نحو ذلك. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن كل نفسٍ مرتهنة بعملها يوم القيامة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الرهينة" هنا بمعنى المرهونة، وأن التاء ليست للتأنيث وإنما هي للنقل من الوصفية إلى الاسمية؛ إذ لو كانت صفةً لقيل "رهين" بلا تاء لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين من السورة، أن الاستعارة في الرهن مبنية على تشبيه احتباس النفس بعملها باحتباس الرهن عند المرتهن حتى يُوفَّى الدين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه القاعدة بعد فتح باب الاختيار في الآية قبلها؛ فبعد أن قيل {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} جاء بيان أن كلَّاً مأخوذٌ بما اختار. وهي تمهيدٌ لما بعدها من الاستثناء {إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ}؛ فالعموم أولاً ثم الاستثناء ثانياً. ثم إن هذه الآية هي مفتاح المقطع الذي يليها كله؛ إذ سيُعرض فيه حال أصحاب اليمين وقد فُكَّ رهانهم، وحال المجرمين وقد بقوا مرهونين، ثم يُبيَّن سبب رهانهم في إقرارهم على أنفسهم. فالآية بمنزلة القانون، وما بعدها بمنزلة التطبيق. وفي موقعها بعد ذكر النموذج الفردي في أول السورة — وهو الوليد بن المغيرة — تعميمٌ بعد تخصيص؛ فبعد أن عُرض فرد عُرضت القاعدة العامة.