كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ
تصوير الإعراض: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: كأنهم في نفارهم عن هذا القرآن حُمُر وحشية نافرة. ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه وعن قتادة وابن عباس رضي الله عنهما أن "الحُمُر المستنفرة" هي حُمُر الوحش. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد الحُمُر الوحشية إذا نفرت. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في {مُّسْتَنفِرَةٌ} قراءتين: بكسر الفاء وبفتحها؛ فمن كسر جعلها نافرةً بنفسها، ومن فتح جعلها منفَّرةً مذعورةً بغيرها. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخمسين من السورة، أن اختيار الحُمُر من بين الدواب لما اشتهرت به من شدة النفار مع بلادة الإدراك؛ فاجتمع في التشبيه معنى الفرار ومعنى قلة الفقه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التشبيه بعد التعجيب من إعراضهم؛ فبعد أن أنكر عليهم أوَّلاً صوَّر إعراضهم ثانياً. وهذا ترتيبٌ بديع: إنكارٌ يخاطب العقل، ثم تصويرٌ يخاطب الخيال. ثم أُتبع التشبيه بتمامه في الآية بعده {فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ}؛ فلم يكتمل المعنى إلا بها. ثم انتُقل بعدها إلى كشف عذرهم المزعوم {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً}. فالنظم يمضي: تعجيبٌ، فتصويرٌ للحال، فكشفٌ للدعوى، فبيانٌ للعلة. وفي هذا التدرج إحاطةٌ بالموقف من كل جوانبه: من جهة العقل، ومن جهة الصورة، ومن جهة الحجة، ومن جهة الباعث.