وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ
ثالث المقسم به: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: والصبح إذا أضاء وانكشف وظهر ضوءه. ونقل عن قتادة ومجاهد نحوه. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد إضاءته وإشراقه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "أسفر" معناه أضاء وأشرق؛ من "سفرت المرأة عن وجهها" إذا كشفته؛ فالصبح إذا أسفر فكأنه كشف عن وجهه. وبيَّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة والثلاثين من السورة، أن استعمال "أسفر" في ظهور الصبح استعارةٌ مبنية على تشبيه انكشاف الضياء بكشف الساتر عن الوجه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تمَّ المقسم به الثلاثي، فجاء الجواب في الآية بعدها: {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ}. والمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الدقة: فسقر ظلمةٌ ونار، والقمر نورٌ في ظلمة، والليل ظلمةٌ تنقضي، والصبح ضياءٌ ينكشف؛ فكأن القسم يقول: كما أن هذه الآيات الثلاث ماثلةٌ لا يُنكرها أحد، فكذلك سقر حقٌّ لا مِراء فيه. ثم إن ترتيبها من الظلمة إلى النور يوافق ما تقصده السورة من نقل المخاطبين من ظلمة الجحود إلى نور الهداية؛ ولذلك جاء بعد الجواب مباشرة: {نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}؛ فالإنذار سبيل الخروج من الليل إلى الصبح.