ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
ينتقل السياق من الحكم العام إلى نموذجٍ بعينه: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن أهل التأويل أجمعوا على أن المعنيَّ بها الوليد بن المغيرة المخزومي. وروى ابن أبي حاتم في تفسيره، عند تفسير هذه الآيات، عن سعيد بن جبير قوله في {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}: هو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أنه الوليد بن المغيرة، وأنه كان من صناديد قريش وشيوخها. وذكر المفسرون في معنى {وَحِيدًا} وجوهاً: أن يكون حالاً من المفعول؛ أي خلقته وحده لا مال له ولا ولد ثم أعطيته؛ أو حالاً من الفاعل؛ أي خلقته أنا وحدي لم يشاركني في خلقه أحد؛ أو أن يكون لقباً له، فقد كان يُلقَّب في قومه بالوحيد لتفرُّده فيهم بالسؤدد. وأشار الطيبي في حاشيته على "الكشاف"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن الوليد كان من وجهاء قريش وصناديدهم، ولذلك لُقِّب بالوحيد وبريحانة قريش.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الانتقال بعد ذكر عسر اليوم على الكافرين؛ فكأن السياق يقول: وإذا شئت أن ترى نموذجاً لهؤلاء الكافرين فهذا واحد منهم. وهو أيضاً تفصيلٌ لما أُجمل في سورة المزمل من قوله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ}؛ فاللفظ نفسه {ذَرْنِي} تكرَّر في السورتين، لكنه هناك جاء بصيغة الجمع وهنا بصيغة المفرد المعيَّن. ثم إن هذه الآية مفتتح مقطعٍ طويل يمتد إلى الآية الثلاثين، يعرض قصة النعمة والجحود والمصير؛ فهي بمنزلة العنوان لما بعدها. وفي كلمة {وَحِيدًا} تمهيدٌ بديع لما سيأتي من تعداد النعم؛ إذ الحال التي بدأ بها هي العُدْم المحض، فيظهر بذلك قدر ما أُعطي.