وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا
ثالث النعم: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وبسطتُ له في العيش والرياسة والجاه بسطاً، ويسَّرتُ له أسباب الدنيا تيسيراً حتى صار سيداً مطاعاً في قومه. ونقل عن مجاهد وقتادة نحو هذا. ونصَّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية، على أن المراد التوسعة في الرزق والجاه والولد جميعاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن التمهيد التوطئة والتسوية، من "مهَّد الفراش" إذا وطَّأه وسوَّاه؛ فالمعنى: سوَّيتُ له أمره ووطَّأتُ له في الدنيا حتى استقام له كل ما أراد. وأشار الطيبي في حاشيته على "الكشاف"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن التمهيد مأخوذ من مهد الفراش، وأنه يُستعمل مجازاً في توطئة الأمر وتسويته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تكتمل ثلاثية النعم: مالٌ، وبنون، وتمهيد. وقد رُتِّبت ترتيباً تصاعدياً في الأثر؛ فالمال يُشترى به، والبنون يُستقوى بهم، والتمهيد جامعٌ لهما ومترتب عليهما؛ إذ به تصير الحياة كلها موطَّأة لا عقبة فيها. وبعد تمام التعداد جاء قوله: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}؛ فوقعت "ثم" موقعها من الاستبعاد والاستنكار؛ إذ كيف يطمع في المزيد من مُهِّد له هذا التمهيد. فالنظم مبنيٌّ على تصعيدٍ في النعم ثم مفاجأةٍ بالطمع، ثم ردعٍ بـ{كَلَّا}، ثم بيانٍ للعلة بالعناد، ثم وعيدٍ بالإرهاق. وهو بناءٌ محكم لا تُقدَّم فيه آية على أخرى.