التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٨٤)مصدر غير محدد٢٢/٨٤ عن قتادة ومجاهد في قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ}: أي فانتظر يا محمد ما وعدك الله من النصر والظفر وإظهار هذا الدين والانتقام من أعدائك، إنهم منتظرون بك الدوائر وحوادث الزمان أن تهلك أو تموت ليستريحوا منك. وقال ابن كثير (٧/ ٢٦٥)مصدر غير محدد٧/٢٦٥: أي انتظر فسوف ترى ما يحل بهم من الهلاك والدمار والبوار والخزي في الدنيا والآخرة، وسيعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولمن النصرة في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وجاء في تفسير القرطبي (١٦/ ١٥٠)مصدر غير محدد١٦/١٥٠: هذا أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات وانتظار ما يحكم الله به بينه وبين مكذبيه، وقد حقق الله وعده لرسوله يوم بدر فقتل صناديدهم وأذل كبرياءهم، ثم فتح عليه مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ}، بالكسر في قاف (فارتقب) وتاء وقاف (مرتقبون).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُرْتَقِبُونَ}: جمع مرتقِب، اسم فاعل من ارتقب؛ أي منتظرون متربصون.
الإعراب الدقيق:
{فَارْتَقِبْ}: الفاء فاء الفصيحة الرابطة لجواب شرط مقدر، ارتقب فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
{إِنَّهُمْ}: إنّ حرف توكيد ونصب مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم إنّ، والميم علامة الجمع.
{مُرْتَقِبُونَ}: خبر إنّ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
وجملة {إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ}: تعليلية للأمر بالارتقاب لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وخاتمة السورة:
ختام مهيب للسورة يجمع بين تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وبين التهديد الصاعق للمشركين؛ فالسورة التي بدأت بالإنذار بالدخان والبطشة الكبرى تختتم بالترقب لتحقق هذا الوعد الحق، مما يترك رنين التهديد مدوياً في آذان المكذبين.
المقابلة بين الارتقابين:
النبي صلى الله عليه وسلم يرتقب نصر الله ووعده الصادق ويقينه بالحق، وهم يرتقبون بأوهامهم وظنونهم الباطلة؛ وشتان بين من يرتقب وعد ربه الحق ومن يرتقب على شفا جرف هارٍ من الباطل والأماني الكاذبة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال: هل الآية منسوخة بآيات القتال والجهاد (كآية السيف) لأنها تأمر بمجرد الارتقاب والانتظار؟
المحاكمة والبيان:
الصواب الذي عليه المحققون من علماء التفسير والأصول (كابن جرير الطبري وابن كثير وابن عاشور) أن الآية محكمة وليست منسوخة؛ فالارتقاب والانتظار لوعد الله لا ينافي الجهاد والأخذ بأسباب النصر؛ بل هو أمر بالثبات النفسي واليقين المطلق بنصر الله في كل مرحلة من مراحل الدعوة.
الوعيد بحلول عذاب الله بهم في الدنيا والآخرة حكم باقٍ لا يتغير بتغير الأحوال العسكرية أو الميدانية، فهو تهديد مطلق للمكذبين في كل زمان ومكان.
المشاكلة اللفظية والجناس الاشتقاقي: الجمع بين فعل الأمر {فَارْتَقِبْ} واسم الفاعل {مُرْتَقِبُونَ} في فاصلة واحدة، وهو من المحسنات البديعية الجليلة التي تثبت المعنى وترسخه في الذهن.
الإيجاز بالحذف: حذف مفعول الارتقاب في الموضعين للتهويل وتوسيع آفاق الوعيد؛ فالمؤمن يرتقب النصر والفتح والجنة، والكافر يرتقب الهزيمة والذل والبطشة الكبرى وعذاب جهنم.
إضفاء الطمأنينة على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم: إشعاره بأنه ليس وحده في الميدان، بل هو في رعاية ربه ومظلة تدبيره وحكمته الأزلية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بنصر دين الله: واجب الداعية المسلم أن يعمل بجد وثبات وأن يمتلئ قلبه باليقين بأن العاقبة للمتقين، مهما انتفش الباطل وتعاظمت صولته.
الصبر الجميل وعدم استعجال النتائج: ترقب وعد الله بالصبر والاحتساب؛ فإن لله سنناً لا تتبدل، والحق منتصر لا محالة في ميعاده المقدر.