التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٥٠-٥١)مصدر غير محدد٢٢/٥٠ وابن كثير (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦ والقرطبي (١٦/ ١٤٤)مصدر غير محدد١٦/١٤٤: وتركوا أيضاً سعة عيش ورغد حياة ونعيم رخاء كانوا فيه ناعمين لاهين متلذذين بطرين آمنين من زواله وعواقبه!
القراءات المتواترة:
قرأ جمهور القراء العشرة (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، يعقوب، خلف العاشر): {فَاكِهِينَ} بألف بعد الفاء؛ أي ناعمين متفكهين متلذذين.
وقرأ أبو جعفر المدني: {فَكِهِينَ} بغير ألف بحذفها تخفيفاً؛ والمعنى بطرين مرحين أشرين متلذذين؛ والوصفان متكاملان في الدلالة على كمال الترف والبطر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَنَعْمَةٍ}: النَّعمة (بفتح النون): الترفه ورغد العيش وحسن الحال وسعة الرزق، أما النِّعمة (بالكسر) فهي الإحسان واليد والمنة؛ فالنَّعمة بالفتح صفة لحالهم المترفة المذمومة في بطرها.
{فَاكِهِينَ}: من الفكاهة؛ وهو الناعم المتلذذ الراضي بحاله، أو البطر الأشر المرح الفرح بالدنيا.
الإعراب الدقيق:
{وَنَعْمَةٍ}: الواو عاطفة، نعمة معطوف على جنات مجرور بالكسرة الظاهرة.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناسخ مبني على الضم، والواو اسمها.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بالخبر (فاكهين).
{فَاكِهِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل جر نعت لـ (نعمة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعميم الجامع التام بعد تفصيل الممتلكات: بعد أن فصّل الجنات والعيون والزروع والمقام، أجمل كل ذلك بلفظ {وَنَعْمَةٍ}؛ ليعم كل ألوان الترف من مأكل ومشرب وملبس ومركب وخدم وحشم ولهو.
كشف الجريمة النفسية (البطر والغفلة): قوله {كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} يشخص علة هلاكهم؛ لم يشكروا النعمة بل غرقوا في التفكه والبطر والاستهزاء بآيات الله؛ فاستحقوا الزوال القاصف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة استدراج النعم والترف غير المقرون بالشكر:
القرآن يحذر من أن الترف الفاحش المسكر هو من أعظم أسباب هلاك الأمم والدول؛ قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}؛ فالنعم لا تدوم إلا بالشكر والطاعة، فإذا قوبلت بالبطر والكفر انقلبت إلى نقم ساحقة.
الفرق البلاغي الدقيق بين (النَّعمة) بالفتح و(النِّعمة) بالكسر: استعمل النَّعمة بالفتح هنا للتشنيع على حال ترفهم وبطرهم؛ بخلاف قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالكسر في مقام الامتنان والإحسان.
التعبير بـ (كانوا) والخبر (فاكهين): للدلالة على استقرار ديدنهم على اللهو والمرح ودوام الاستغراق فيه زمناً طويلاً قبل حلول العقوبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر النعم بالقلب واللسان والجوارح: قيد النعم هو الشكر؛ وعلى المسلم إذا رأى سعة في رزقه وعيشه أن يزداد تواضعاً وإنفاقاً وخشية لله.
الحذر من الغفلة في أوقات الرخاء: الرخاء فتنة أشد من الشدة؛ فكم من صامد في البلاء سقط في فتنة السراء والترف.