التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٨)مصدر غير محدد٢٢/٧٨ عن قتادة وابن جريج: {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}: السندس هو ما رق ولطف من الحرير والديباج، والإستبرق هو ما غلظ وثخن منه وتلألأ بحسنه وديباجته البهية. وعن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: يلبسون ثياباً رقاقاً مبطنة بثياب غلاظ، أو يجمعون بين رقة الباطن وجلالة الظاهر من أبهى الحلل والحرير الذي حُرم في الدنيا على الرجال وأبيح لهم في دار الخلود. وفي تفسير القرطبي (١٦/ ١٤٨)مصدر غير محدد١٦/١٤٨: {مُتَقَابِلِينَ}: أي لا ينظر بعضهم في أقفية بعض، بل وجوههم متقابلة تدل على تمام الصفاء، وكمال المحبة، وانعدام الحقد والضغينة، والجلوس على سرر الكرامة.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على كسر الهمزة وفتح القاف وسكون الباء والراء في: {وَإِسْتَبْرَقٍ}، ونصب الياء في {مُتَقَابِلِينَ} على الحال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَلْبَسُونَ}: من اللبس، وهو ستر الجسد وتزيينه بالثياب.
{سُنْدُسٍ}: الرقيق الصافي من الديباج والحرير النفيس.
{إِسْتَبْرَقٍ}: الديباج الغليظ الحسن الصنيعة ذو البريق المتلألئ؛ وهو لفظ معرّب من الفارسية استعملته العرب وصار من فصيح لسانها ونزل به القرآن العظيم.
{مُتَقَابِلِينَ}: جمع متقابِل، اسم فاعل من تقابل يتقابل؛ أي يقابل بعضهم بعضاً بوجهه ومجلسه.
الإعراب الدقيق:
{يَلْبَسُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. والجملة في محل نصب حال من المتقين، أو خبر ثالث لـ إنّ.
{مِنْ}: حرف جر لابتداء الغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس.
{سُنْدُسٍ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والمفعول به محذوف تقديره: يلبسون ثياباً كائنة من سندس.
{وَإِسْتَبْرَقٍ}: الواو عاطفة، إستبرقٍ اسم معطوف على سندس مجرور بالكسرة الظاهرة.
{مُتَقَابِلِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم، وصاحب الحال هو الواو في (يلبسون).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج النعيم من المسكن إلى الملبس والمجلس:
بعد أن وصف مساكنهم بـ جنات وعيون، انتقل إلى لباسهم وزينتهم الظاهرة سندس وإستبرق، ثم ارتقى إلى كمال أنسهم واجتماعهم الاجتماعي والنفسي متقابلين.
تكامل أركان السعادة:
السعادة لا تكمل بحسن المسكن واللباس إلا بطيب المعاشرة ولقاء الأحبة؛ فجاء وصفهم بـ متقابلين ليكتمل كمال النعيم الخارجي والداخلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال: هل وجود ألفاظ معربة كـ {إِسْتَبْرَقٍ} يقدح في عربية القرآن وإعجازه؟
المحاكمة والبيان:
تقرر عند أئمة اللغة والتفسير (كالطبري والشافعي وابن عطية) أن العرب عربت ألفاظاً من الأمم المجاورة بصيغ أوزانها وجرت على ألسنتهم فصيحة، فلما نزل القرآن نزل بلسانهم الذي تداولوه وعقلوه.
التعريب دليل على حيوية اللغة واستيعابها، ونزول القرآن بهذه الألفاظ التي بلغت الغاية في الفصاحة يشهد بإعجازه المطلق وبلاغته الجامعة المستوعبة لكل معاني الجمال.
المقابلة بين الرقيق والغليظ: الجمع بين سندس وإستبرق يبرز التنويع والإتقان في الزينة؛ فالسندس لنعومة الملامسة والمباشرة، والإستبرق لجلال المظهر والبريق الآخاذ.
بلاغة الحال {مُتَقَابِلِينَ}: تصوير نفسي بديع لحال أهل الجنة؛ فالتقابل ينفي الإعراض والتدابر، ويعكس نقاء السرائر والمحبة التامة بين أهل الإيمان: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على زينة الدنيا الفانية: من ترك لباس الحرير والخيلاء في الدنيا لله كفّر الله عنه وألبسه الله إياه في الجنة؛ فالعاقل من باع اللباس الفاني باللباس الباقي.
سلامة الصدر وطهارة القلب: الحرص على تصفية القلوب من الغل والحسد في الدنيا، لتأهيل النفس لمصاحبة الأبرار في مقاعد المتقابلين.