التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٢٩)مصدر غير محدد٢٢/٢٩ وابن كثير (٧/ ٢٦٢)مصدر غير محدد٧/٢٦٢ والقرطبي (١٦/ ١٣٥-١٣٦)مصدر غير محدد١٦/١٣٥: هذا استبعاد وتعجيب وتقريع من الله تعالى لهؤلاء المشركين؛ كيف يكون لهم الاتعاظ والتذكر والتوبة والإنابة الصادقة التي ينالون بها النجاة، وقد بعث الله إليهم في حال عافيتهم وسعتهم ورخائهم رسولاً كريماً مبيناً - وهو محمد صلى الله عليه وسلم - بيّن الصدق والنسب والأمانة والأخلاق والمعجزات، فلم يؤمنوا به بل كذبوه وحاربوه؟! فكيف يؤمنون الآن لمجرد كشف كربة عارضة؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَنَّىٰ}: اسم استفهام يفيد الاستبعاد والإنكار والتعجيب، بمعنى (كيف أو من أين).
{رَسُولٌ مُبِينٌ}: رسول ظاهر الصدق والرسالة، بيّن الحجة والبرهان.
الإعراب الدقيق:
{أَنَّىٰ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الحال أو ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{لَهُمُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف الخبر.
{الذِّكْرَىٰ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
{وَقَدْ}: الواو حالية، قد: حرف تحقيق مبني على السكون.
{جَاءَهُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
{رَسُولٌ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{مُبِينٌ}: نعت لـ (رسول) مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال من الضمير في {لَهُمُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحباط أمانيهم الكاذبة: لما زعموا الإيمان في قولهم: {إِنَّا مُؤْمِنُونَ}، واجههم هذا السؤال الإلهي الاستبعادي التوبيخي: {أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ}؛ لبيان أن طبيعتهم المعاندة تمنعهم من الذكرى الحقيقية.
المقارنة بين حال الرخاء وحال الشدة: من كذب بالرسول المبين وآياته في زمن الأمن والرخاء، لن يولد عنده الإيمان الصادق تحت وطأة خوف الموت؛ فالإيمان عمل قلبي اختياري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كشف زيف التوبة المشروطة بزوال العذاب:
القرآن يقرر قاعدة تربوية وعقدية عميقة: النفس المريضة بالهوى والجهل لا تصلحها الصدمات العارضة إذا كان أصل الاستكبار متمكناً منها؛ فما إن يزول الخطر حتى يرتد العقل إلى غيه وكبره؛ ولذلك فإن الله يعلم سرائرهم وأن دعواهم مجرد تلفظ باللسان لدفع الألم الدنيوي.
شهادة الأعداء بصدق الرسول المبين: قريش كانت تلقب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بالصادق الأمين، فلما جاءهم بالتوحيد أعرضوا عنه؛ فبطلت كل معاذيرهم.
الاستفهام الاستبعادي بـ {أَنَّىٰ}: يقطع كل طمع في تذكرهم ويبرز فجوة التناقض بين دعواهم وحقيقتهم.
تنكير {رَسُولٌ} ووصفه بـ {مُبِينٌ}: لتعظيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد وضوح براهينه التي لا تترك عذراً لمعتذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من تأخير التوبة حتى نزول البأس: على المسلم أن يتوب في زمن الصحة والعافية والإمهال؛ فإن التوبة عند المعاينة ونزول القواصم لا تنفع: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}.
اليقين بكمال حجة النبي صلى الله عليه وسلم: النبي صلى الله عليه وسلم رسول مبين، سنته واضحة، ومنهجه ناصع البياض لا يزيغ عنه إلا هالك.