القول الثاني المأثور عن ابن عباس وأبي هريرة وعلي والحسن (وهو أثر صحيح في مسلم رقم ٢٩٠١ من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري): أن الدخان آية كبرى حقيقية من أشراط الساعة الكبرى لم تأتِ بعد، يملأ ما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يوماً؛ يأخذ المؤمن كالزكام، وينفخ الكافر حتى يخرج من مسامعه ودبره.
الجمع والتحقيق الأصولي: قال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٠-٢٦١)مصدر غير محدد٧/٢٦٠ والقرطبي (١٦/ ١٣٢-١٣٥)مصدر غير محدد١٦/١٣٢: يجمع بين القولين بأن الدخان الأول وقع لقريش في مكة على وجه القحط والجهد فرأوه كالدخان حقيقة وتضرعوا فكُشف عنهم وبُطش بهم في بدر؛ والدخان الأكبر الحقيقي آية من أشراط الساعة الكبرى سيأتي في آخر الزمان تصديقاً لعموم اللفظ القرآني.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَارْتَقِبْ}: الارتقاب: الانتظار والترصد مع الترقب لما سيحدث بحذر واهتمام؛ من رَقَبَ يَرْقُبُ.
{دُخَانٍ}: الدخان: ما يتصاعد من اشتعال النار أو البخار الكثيف المظلم المحرق للأنفاس؛ واستعير هنا لما غشيهم من الجهد أو للدخان الحقيقي الهابط من السماء.
{مُبِينٍ}: ظاهر جلي يشاهده كل أحد لا خفاء فيه ولا لبس.
الإعراب الدقيق:
{فَارْتَقِبْ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، ارتقب: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل (ارتقب)، أو مفعول به على تضمين ارتقب معنى (انتظر).
{تَأْتِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للثقل.
{السَّمَاءُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة الفعلية في محل جر مضاف إليه بعد ظرف الزمان يوم.
{بِدُخَانٍ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تأتي).
{مُبِينٍ}: نعت لـ (دخان) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال الصادم من لهوهم إلى رعب الدخان: لما قال: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}، جاء الجواب الإلهي الصارم بالفاء الرابطة: {فَارْتَقِبْ}؛ ليقطع لعبهم ولهوهم بمشهد الرعب القادم الذي يحبس الأنفاس ويملأ الأفق بالدخان المبين.
التطابق المدهش مع ختام سورة الزخرف: في الزخرف قال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، وهنا قال: {فَارْتَقِبْ}، وفي ختام الدخان قال: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ}؛ ليتلاحم السياق في منظومة التهديد والترقب الحاسم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحطيم كبرياء الجبابرة بأضعف الأسباب:
قريش التي استكبرت على النبي صلى الله عليه وسلم وافترت عليه بالجنون أذلها الله بالجوع والقحط والدخان حتى أكلوا العلهز والعظام والجيف، واستغاث سادتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم؛ مما يبرهن على أن الطغيان هش وسريع الانهيار أمام سنن الله القاصفة.
دحض شبهة التكلف في التفسير: ابن مسعود رضي الله عنه غضب غضباً شديداً ممن يفتي بالرأي المجرد في القرآن بغير أثارة من علم، وأصل منهج التفسير بالأثر الصحيح المرفوع والوقائع التاريخية الصادقة.
الأمر بـ {فَارْتَقِبْ}: إشعار للنبي صلى الله عليه وسلم بأن النصر قادم والفرج قريب، وأن عاقبة المكذبين محتومة؛ فعليه أن يترقب انتقام الله من أعدائه.
إسناد الإتيان إلى السماء {تَأْتِي السَّمَاءُ}: لبيان عظمة العقوبة وعمومها واستيعابها وهبوطها من العلو الذي لا يستطيع أحد رده أو الاحتماء منه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأدب العلمي في الفتوى: لزوم قول (الله أعلم) فيما لا يعلمه المسلم، والحذر الشديد من التكلف والقول على الله بغير علم، اقتداءً بوصية الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
استجابة دعاء المظلومين والأنبياء: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أصابت قريشاً في مقتل؛ فليدرك كل ظالم أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.