روى البخاري في صحيحه (رقم ٤٧٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٧٤ ومسلم في صحيحه (رقم ٢٧٩٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٩٨ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن البطشة الكبرى المذكورة في هذه الآية هي ما حل بمشركي قريش وصناديدهم يوم بدر؛ حيث بطش الله بأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وسائر أئمة الكفر، فقُتلوا وشُحبوا في قليب بدر انتقاماً للمسلمين وتصديقاً لوعد الله.
وروى الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٣٣-٣٥)مصدر غير محدد٢٢/٣٣ وابن كثير (٧/ ٢٦٣)مصدر غير محدد٧/٢٦٣ والقرطبي (١٦/ ١٣٧)مصدر غير محدد١٦/١٣٧ عن عبد الله بن عباس والحسن البصري وقتادة ومجاهد وابن زيد: أن {الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ} هي يوم القيامة حين يُطبق العذاب على الكافرين في نار جهنم، ويؤيده قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}.
الجمع والتحقيق الأصولي: قال ابن كثير والقرطبي: لا منافاة بين القولين؛ فبطشة بدر كانت نموذجاً دنيوياً معجلاً وصورة مصغرة من البطشة الكبرى العظمى التي تنتظرهم يوم القيامة؛ فانتقم الله منهم في بدر بالقتل والأسر، وينتقم منهم في الآخرة بالخلود في الجحيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَبْطِشُ}: البَطْش: الأخذ بالعنف والسطوة والقوة الشديدة؛ يقال: بطش به إذا أوقع به أشد العقاب بالقهر والغلبة.
{الْبَطْشَةَ}: اسم مرة من البطش، أضيفت إليها صفة العظمى.
{الْكُبْرَىٰ}: مؤنث الأكبر؛ للدلالة على بلوغ البطش غايته ونهايته التي لا بطش بعدها.
{مُنْتَقِمُونَ}: اسم فاعل من انتقم؛ والانتقام الإلهي هو إيقاع الجزاء الرادع العادل بالمجرمين لمخالفتهم الحق وظلمهم.
الإعراب الدقيق:
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف تقديره (اذكر يوم نبطش) أو متعلق باسم الفاعل (منتقمون) في قوله {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}.
{نَبْطِشُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والجملة الفعلية في محل جر مضاف إليه بعد الظرف يوم.
{الْبَطْشَةَ}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مبين للنوع.
{الْكُبْرَىٰ}: نعت لـ (البطشة) منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{مُنْتَقِمُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} استئنافية لتقرير الوعيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الوعيد الحاسم عقب بيان العودة إلى الشرك: لما قال سبحانه في الآية السابقة: {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} مبيناً نكثهم بعد كشف العذاب القليل، أعقبه فوراً ببيان ما ينتظرهم جراء هذا النكث والعناد: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}؛ ليعلموا أن الإمهال لا يعني الإهمال، وأن وراء العذاب المكشوف بطشة قاصمة لا بقاء بعدها.
التمهيد لقصة فرعون في الآية التالية: ذكر البطشة الكبرى ثم ثنى مباشرة بنموذج تاريخي واقعي للبطشة الكبرى بأعتى فراعنة الأرض: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير صفة الانتقام لله تعالى ونفي النقص البشري:
أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الانتقام لله تعالى مقيدة كما وردت في النصوص: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ}، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ}؛ وانتقام الله ليس تشفياً نفسياً ولا غيظاً ناشئاً عن عجز أو ألم كحال المخلوقين، بل هو كمال العدل الإلهي في مجازاة المعتدين، ونصرة أوليائه، وردع الظالمين، ووضع العقوبة في موضعها الحق بلا حيف ولا ظلم.
دحض شبهة الإمهال والاستدراج: إمهال الله للظالم قد يطول، ولكنه إذا أخذه لم يفلته؛ فمن اغتر بتأخر العقوبة فليتذكر البطشة الكبرى.