التوجيه بالمأثور: روى ابن جرير الطبري (٢٢/ ٨٠)مصدر غير محدد٢٢/٨٠ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ}: أي يطلبون ويأمرون بما يشتهون من أنواع الفواكه والثمار فتأتيهم دانية قطوفها، أمنوا من انقطاعها، وأمنوا من فسادها، وأمنوا من مضرتها وأذاها وتخمتها، وأمنوا من خروجهم من الجنة أو موتهم فيها. وقال ابن كثير (٧/ ٢٦٤)مصدر غير محدد٧/٢٦٤: أمنوا من كل مكروه ومحذور؛ فما من فاكهة يطلبونها إلا وهي حاضرة بين أيديهم، آمنين من أن تنفد أو تمتنع أو تضر أبدانهم كما تضر فواكه الدنيا بالإكثار منها. وعن السدي: تدنو منهم أغصان الشجر حتى يأخذ أحدهم الفاكهة وهو مضطجع أو متكئ دون أدنى كلفة أو مشقة.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة الفعل بفتح الياء وسكون الدال وضم العين: {يَدْعُونَ}، ونصب (آمنين) على الحال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَدْعُونَ}: الدعاء هنا بمعنى الطلب والأمر والإحضار؛ دعا بالشيء إذا طلبه واستحضره إليه.
{فَاكِهَةٍ}: الفاكهة: كل ما يتفكه به الإنسان ويتلذذ بأكله من الثمار زائداً عن القوت الأساسي.
{آمِنِينَ}: جمع آمِن، اسم فاعل من أَمِنَ يأمَنُ أَمْناً وأماناً؛ وهو عدم توقع المكروه والاطمئنان الكامل.
الإعراب الدقيق:
{يَدْعُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. والجملة في محل نصب حال ثانية من المتقين أو استئناف بياني.
{فِيهَا}: في حرف جر، والها ضمير متصل مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يدعون).
{بِكُلِّ}: الباء حرف جر للتعدية، كلِّ اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يدعون.
{فَاكِهَةٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{آمِنِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنها جمع مذكر سالم، وصاحب الحال هو الواو في (يدعون).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين طعام الفريقين:
هناك في حق الأشقياء: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ} طعام واحد خبيث مر مذل يُمزق الأمعاء.
وهنا في حق السعداء: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} تلذذ وتفكه بكل نوع دون استثناء وبأعلى درجات الأمان والسلامة والراحة!
كلمة {يَدْعُونَ}:
تدل على غاية التكريم؛ فهم لا يتكلفون قطافاً ولا بحثاً، بل مجرد الدعاء والطلب يجلب لهم ما يشتهون: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: ما معنى قوله {آمِنِينَ} هنا بعد أن وصف موضعهم ابتداءً بأنه {مَقَامٍ أَمِينٍ}؟ أليس في ذلك تكرار؟
المحاكمة والبيان:
التكرار هنا تأسيسي وله نكتة بلاغية دقيقة؛ فالأمن الأول في مقام أمين أمن عام للمكان وموضع الاستقرار من الزوال والتهديد.
والأمن الثاني في (آمنين) أمن خاص متعلق بالطعام والتفكه؛ أمن من أضرار الأكل كالتخمة، والأمراض، والسموم، وتغير الألوان، وانقطاع المواسم. فطعام الدنيا قد يورث الأسقام والأوجاع ويحتاج إلى تصريف مؤذٍ، أما طعام الجنة فآمن من كل هذه العوارض لا يترتب عليه إلا رشح كريح المسك.
الاستغراق والعموم بلفظ {بِكُلِّ فَاكِهَةٍ}: إفادة عموم الأنواع والأصناف؛ فما خطر بالبال وما لم يخطر متوفر بين أيديهم بفضل الله تعالى.
التعبير بالدعاء {يَدْعُونَ}: كناية عن تذليل الكون لهم وكمال سلطانهم في ملكهم النعيمي؛ فبمجرد المشيئة والنداء تمتثل الثمار بين أيديهم.
اقتران التلذذ بالأمن: أعظم النعم؛ لأن اللذة إذا قارنها خوف الانقطاع أو توقع الضرر تنغصت واضمحلت، فجاءت كلمة {آمِنِينَ} لتضفي الخلود والكمال على هذا التلذذ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه النفس نحو النعيم الدائم: تهوين مباهج الدنيا وملاذها الزائلة؛ فإنما هي أشباه وأمثال تذكر بالنعيم الحق وتدعو إلى التنافس فيه: {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
كمال الطمأنينة بالله: من استسلم لله وتوكل عليه في دنياه أورثه الله أمناً لا يزول ونعيماً لا ينفد في دار كرامته.