روى الطبري (٢٢/ ٦٣-٦٥)مصدر غير محدد٢٢/٦٣ وابن كثير (٧/ ٢٦٩-٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٦٩ والقرطبي (١٦/ ١٤٧-١٥٠)مصدر غير محدد١٦/١٤٧: هذا تقريع وإلزام لكفار قريش ومشركي مكة؛ أهؤلاء المستضعفون من مشركي مكة خير وأشد قوة وأكثر مالاً وأعظم سلطاناً أم قوم تُبَّع الحميري اليماني، والأمم العاتية التي كانت قبلهم كعاد وثمود وقوم فرعون؟! لقد كانوا أشد من قريش بأساً وأعظم قوة وحضارة، فلما كذبوا الرسل أهلكناهم واستأصلنا شأفتهم جميعاً؛ لأنهم كانوا قوماً مجرمين؛ فكيف تأمن قريش الضعيفة أن ينزل بها ما نزل بأولئك الجبابرة؟!
الحديث الصحيح في إسلام تُبَّع: أخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٨)مصدر غير محدد٢/٤٤٨ وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد في مسنده عن سهل بن سعد وسعيد بن جبير وعائشة وابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ». وقيل: كان تبع ملكاً صالحاً مؤمناً، وكسى الكعبة المعظمة، ولكن قومه من حمير كذبوا وبطروا فأهلكهم الله دون تبع؛ ولذلك قال تعالى: {قَوْمُ تُبَّعٍ} فنسب الإهلاك للقوم لشركهم وإجرامهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تُبَّعٍ}: لقب عام لملوك اليمن وحمير، كفرعون لمصر وكسرى لفارس وقيصر للروم؛ وسُمي تُبَّعاً لكثرة أتباعه وقبائله التابعة لسلطانه.
{خَيْرٌ}: أفعل تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال؛ والمراد خير قوة ومنعة وسعة مال وحضارة.
{أَهْلَكْنَاهُمْ}: أهلك: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به، والميم للجمع، والجملة مستأنفة مقررة لحكم الإهلاك.
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها، والميم للجمع.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناسخ، والواو اسمها.
{مُجْرِمِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّهُمْ كَانُوا...} تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المحاصرة العقلية بالسوابق التاريخية القريبة: لما تكبرت قريش وأنكرت البعث وعجزت في طلب إحياء الآباء، واجههم القرآن بنموذج قريب من واقعهم وجغرافيتهم؛ ملوك اليمن وقوم تبع الذين كانت تمر قريش بآثارهم في رحلة الشتاء ويعلمون عظمة حضارتهم وقلاعهم وسدودهم؛ فإذا كان الله قد أهلك هؤلاء العتاة فكيف ينجو كفار مكة وهم أقل شأناً وأضعف قوة؟!
العدل في تعليل العقوبة: ختم الآية بـ {إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} لبيان أن سبب هلاكهم لم يكن اعتباطاً ولا ظلماً، بل كان جزاءً وفاقاً لإجرامهم وطغيانهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سقوط أوهام الحصانة المادية والعسكرية:
الحضارات العاتية كقوم تبع والفراعنة وعاد امتلكت من القوة والعدد والعتاد ما لم تملكه قريش؛ ومع ذلك لم يدفع عنها بأس الله شيء؛ فمن أين لقريش أو لأي قوة معاصرة أن تأمن مكر الله وبطشه إذا عاندت شرعه ومارست الإجرام؟!
إنصاف القرآن للشخصيات الصالحة: القرآن نسب الإهلاك للقوم {قَوْمُ تُبَّعٍ} ولم يقل أهلكنا تبعاً؛ تأكيداً لما صح في الحديث من إسلام تبع وصلاحه وبراءة ساحته من كفر قومه.