التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٧١)مصدر غير محدد٢٢/٧١، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٢)مصدر غير محدد٧/٢٦٢، والقرطبي (١٦/ ١٤٦)مصدر غير محدد١٦/١٤٦: في قوله تعالى: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}، المهل عند عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: هو دردي الزيت وعكر القطران والنحاس أو الرصاص المذاب، إذا قُرّب من الوجه سقطت فروة الرأس فيه من شدة وهجه، فإذا استقر في البطون غلى كغليان المرجل العظيم حتى تتقطع منه الأمعاء في الأجواف.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وابن عامر ورويس عن يعقوب: {يَغْلِي} بالياء التحتية؛ والفاعل ضمير يعود على المهل، أو على طعام الأثيم المذكور في الآية السابقة؛ أي: يغلي المهل أو الطعام في بطونهم.
وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف وروح عن يعقوب: {تَغْلِي} بالتاء الفوقية؛ لتأنيث الفاعل وهو الشجرة المتقدمة في قوله: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ}؛ أي تغلي الشجرة في بطونهم، أو لتأنيث الجمع كـ البطون مجازاً. وكلتا القراءتين متواترتان تزيدان المعنى بياناً وثراءً دلالياً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْمُهْلِ}: المهل في لسان العرب يطلق على معانٍ؛ منها: المعدن المذاب من نحاس أو رصاص أو فضة، وعكر الزيت الأسود الخاثر، وصديد أهل النار. قال ابن فارس في مقاييس اللغة: الميم والهاء واللام أصلان، أحدهما الرِّفق والتؤدة، والآخر جنس من الجواهر الذائبة سمي بذلك لبطء سيلانه وثقله.
{يَغْلِي}: غلى الماء أو القِدر يَغْلي غَلْياً وغَلَياناً؛ إذا فارت قعوره واضطربت مادته من شدة التوهج والحرارة.
{الْبُطُونِ}: جمع بَطْن، وهو التجويف الجوفي للإنسان ومستقر الطعام والشراب.
الإعراب الدقيق:
{كَالْمُهْلِ}: الكاف حرف جر وتشبيه، المهلِ اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل رفع خبر ثانٍ لـ إنّ المتقدمة في قوله {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ}، أو في محل نصب حال من طعام أو شجرة.
{يَغْلِي}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على المهل أو الطعام.
وجملة {يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}: في محل نصب حال من المهل، أو في محل رفع خبر ثالث لـ إنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال بما قبله:
بعد أن سمى الله طعام الأثيم وأخبر أنه شجرة الزقوم، انتقل النظم الإلهي إلى بيان كيفية هذا الطعام وتأثيره الباطني في الجسد، وكيف ينقلب الأكل المفترض فيه حفظ الحياة إلى أداة تدمير وتمزيق للأمعاء والأحشاء.
البناء النظمي:
انتقال من المظهر الخارجي للشجرة إلى حقيقتها الوظيفية؛ تشبيهها بالمهل الذي يغلي في البطون ليتحقق التطابق بين شناعة المنظر وعظم الألم الداخلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: كيف تأكل الأجسام طعاماً من مهل يغلي في البطون وتبقى حية دون أن تتلاشى أو تفنى أجسادهم بالاحتراق الفوري؟
المحاكمة والبيان:
إن قوانين النشأة الآخرة مغايرة تماماً لقوانين النشأة الدنيا الفانية؛ فأجسام أهل النار أُنشئت لتكون قابلة لاستدامة الإحساس بالعذاب دون أن يفضي ذلك إلى الفناء أو الموت: {لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}، وكلما نضجت جلودهم وأحشاؤهم بدلت لتذوق العذاب.
العقل يدرك بجلاء أن القادر على خلق الحياة ابتداءً قادر على إمداد الخلايا بموجبات البقاء تحت وطأة أعظم المحترقات؛ فالمتعالي سبحانه هو الذي جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وهو ذاته القادر على إيقاع أعظم ألم بالنار دون إفناء الذات المعذبة.
التشبيه التمثيلي البليغ: تشبيه هيئة استقرار طعام الزقوم في البطون واضطراب أحشاء الآكل بهيئة المهل الرصاصي أو النحاسي المذاب وهو يغلي في المرجل العظيم.
تقديم الجار والمجرور والتعليق بـ {فِي الْبُطُونِ}: تأكيد على أن العذاب هنا ليس حسياً خارجياً فقط، بل هو عذاب باطني يطال أعمق مكامن النفس البشرية ويفتك بأحشائها.
المقابلة النفسية: الذين ملأوا بطونهم في الدنيا من أموال اليتامى والحرام والشبهات يجدون جزاءهم بطوناً تشتعل مهلاً يغلي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير المطعم والمشرب: الحذر التام من أكل الحرام؛ فإن كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به، والتذكر الدائم بأن ما يبتلعه الإنسان في دنياه ينعكس نعيماً أو جحيماً في معاده.
الوجدان الخاشع: الخوف من أهوال القيامة التي تفقد المرء السيطرة على جسده، واستشعار نعمة العافية والطعام الحلال الطيب في الدنيا وحمد المنعم سبحانه عليها.