التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٨٣)مصدر غير محدد٢٢/٨٣ عن مجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}: أي إنما أنزلنا هذا القرآن العظيم وسهلناه وبيّناه بلغتك ولسانك العربي الفصيح يا محمد؛ ليفهموه ويعقلوه ويتذكروا ما فيه من المواعظ والعبر والأحكام، فينقادوا إلى الحق ويزدجروا عن الباطل. وجاء في تفسير السعدي (ص ٧٧٦)مصدر غير محدد٧٧٦: يخبر تعالى بنعمته الكبرى بتيسير القرآن الكريم: ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والتدبر، بلسان أشرف الرسل وأفصح الخلق وأعربهم بياناً، ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة وأقرب إلى تذكرهم ومراجعتهم للحق. وعن ابن زيد: سهلنا قراءته وفهمه على العرب لأنهم يعرفون معانيه ومفرداته، فليس لهم عذر في التكذيب أو الإعراض.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، بالتشديد في سين (يسّرناه) والذال والكاف في (يتذكرون).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَسَّرْنَاهُ}: التيسير: التسهيل والتهيئة وجعل الأمر ليّناً سمحاً يسهل تناوله؛ يسّره تيسيراً ضد عسّره.
{بِلِسَانِكَ}: اللسان: آلة النطق واللغة التي يتكلم بها القوم؛ والمراد هنا اللغة العربية المبينة التي نزل بها القرآن الكريم.
{يَتَذَكَّرُونَ}: التذكّر: استحضار المعرفة التي قد تغفل عنها النفس، والتأمل المورث للاتعاظ والعمل الصالح.
الإعراب الدقيق:
{فَإِنَّمَا}: الفاء فاء الفصيحة أو عاطفة تعليلية، إنّما كافة ومكفوفة (إنّ حرف توكيد ونصب كُفّت عن العمل بدخول ما الكافة عليها).
{يَسَّرْنَاهُ}: يسّرنا فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، ونا ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به يعود على القرآن الكريم.
{بِلِسَانِكَ}: الباء حرف جر للآلية والواسطة، لسانِ اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يسّرناه.
{لَعَلَّهُمْ}: لعلّ حرف ترجٍّ ونصب يفيد التعليل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم لعل، والميم للجمع.
{يَتَذَكَّرُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
وجملة {يَتَذَكَّرُونَ}: في محل رفع خبر لعل، والمصدر المؤول من لعل ومعموليها في محل نصب مفعول لأجله (تعليل للتيسير).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عود الخاتمة إلى براعة الاستهلال:
سورة الدخان افتتحت بتعظيم الكتاب والتنزيل: {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}، وهنا تختتم ببيان فضل هذا الكتاب وتيسيره بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليلتئم ختام السورة بمطلعها في غاية الإحكام والتناسق البديع.
إقامة الحجة وقطع المعاذير:
بعد أن بين الله مصير المكذبين ومصير المتقين، بيّن أن هذا الوحي لم يكن غامضاً ولا معقداً ولا بلسان أعجمي، بل يسره الله تيسيراً تاماً بلسان عربي مبين، لتقوم عليهم الحجة الدامغة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الإشكال: كيف يقول سبحانه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} وقد سبقت إرادته الأزلية وعلمه بأن صناديد قريش لن يؤمنوا؟
المحاكمة والبيان:
لفظ (لعل) من الله تعالى في القرآن يفيد التعليل وبيان الحكمة والغاية التشريعية؛ أي: إنما يسرنا القرآن لكي يتذكر المتذكرون ويهتدي الراغبون في الهدى، ولتقوم الحجة على المعاندين؛ فالمعنى أن شأن هذا الكتاب ونظمه أن يُحدث التذكر في كل قلب تجرد للحق.
التيسير واقع بالفعل في تلاوة القرآن وحفظه وفهمه وتدبره لجميع البشر؛ فمن أعرض بعد هذا التيسير فقد اختار الضلالة لنفسه بمحض إرادته واستحق العقاب الإلهي العادل.
القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: يفيد تأكيد كمال الحكمة في إنزال القرآن؛ فما أنزله الله ليعنت الناس ولا ليشقى به النبي: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}، بل للتيسير والتذكرة والهداية.
إضافة اللسان إلى كاف الخطاب {بِلِسَانِكَ}: تكريم عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فاللسان لسانه الشريف، والبيان بيانه النبوي الفصيح، والله اصطفاه ليبلغ كلامه بأكمل بيان.
التعبير بـ {يَسَّرْنَاهُ}: إبراز لخاصية فريدة في القرآن العظيم لا توجد في أي كتاب آخر؛ فهو سهل الحفظ للصغار والكبار، قريب الفهم لأهل البصائر، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإقبال على كتاب الله تلاوةً وتدبراً: اغتنام نعمة تيسير القرآن بحفظ آياته والعمل بأحكامه ومدارسة معانيه، والحذر الشديد من هجرانه بعد أن سهّله الله لنا.
الدعوة بالرفق والبيان الميسر: على الدعاة إلى الله أن يقتدوا بهذا النهج الرباني في تيسير وتبسيط حقائق الدين للناس، والتحدث بلغة مفهومة تأخذ بمجامع القلوب.