التوجيه بالمأثور: روى الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٧٢)مصدر غير محدد٢٢/٧٢ عن قتادة في قوله تعالى: {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}: كغلي الماء الحار إذا اشتد حره وتناهى في الغليان والفوران. وعن الضحاك ومجاهد: الحميم هو الماء الصديدي البالغ أقصى درجات الإحماء؛ يغلي في بطونهم كغليان المراجل العظيمة التي أوقد عليها ألوف السنين. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٤٦)مصدر غير محدد١٦/١٤٦: التشبيه هنا لبيان شدة الحركة والاضطراب في الأجواف؛ فالمهل في بطونهم يضطرب ويفور كاضطراب الماء المغلي غلياناً عنيفاً مستمراً.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة: {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} بفتح الغين وسكون اللام، مصدراً مضافاً إلى الفاعل مجازاً وهو الحميم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{غَلْيِ}: الغَلْي مصدر غَلَى يَغْلِي، وهو حركة السائل واضطرابه وصعود فقاعاته عند بلوغ درجة الاشتداد الحراري.
{الْحَمِيمِ}: الماء الحار جداً، فعيل بمعنى مفعول من حَمَمْتُ الماء إذا أسخنته سخونة بالغة، أو بمعنى فاعل من حَمَّ إِذا اشتد حره. ومنه الحُمّى؛ لشدة حرارتها.
الإعراب الدقيق:
{كَغَلْيِ}: الكاف حرف جر وتشبيه، غليِ اسم مجرور بالكاف وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وشبه الجملة في محل نصب مفعول مطلق نائب عن المصدر للفعل (يغلي) في الآية السابقة؛ والتقدير: يغلي غلياً كغليِ الحميم.
{الْحَمِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال والترابط:
الآية الكريمة تأتي مؤكدة ومفصلة لنوع الغليان المذكور في {يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}؛ فبعد أن شبه الطعام ذاته بالمهل في ثقله وحرارته، شبه حركة فورانه بغليان الماء البالغ أقصى الغايات في الحرارة.
التدرج الحسي المرعب:
الجمع بين كثافة المهل ورصاصيته وسرعة غليان الماء الحميم؛ مما يجمع بين ألم الثقل وألم الإحراق وسرعة التمزق الباطني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التساؤل: لماذا تعددت التشبيهات هنا (كالمهل ثم كغلي الحميم)؟ أليس في أحدهما كفاية في تصوير المشهد؟
المحاكمة والبيان:
التعدد مقصود لإحكام التصوير الحسي الكامل لكافة أبعاد العذاب؛ فالمهل تشبيه لجرم الطعام وكثافته ولونه وسواده وسميته، بينما {كغلي الحميم} تشبيه للحركة الفائرة الشديدة والاضطراب الفوار في الأمعاء.
هذا التفصيل يقطع أي توهم بالاعتياد أو سكون الألم؛ فالألم متجدد، مضطرب، عنيف، لا يفتر لحظة واحدة، مما يجسد البلاغة القرآنية المعجزة في كمال الإحاطة بكافة أركان المعنى.
الإيجاز بالحذف والإحالة: جاءت الآية مستقلة برأس آية منفصل {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} لتقرير هذا المشهد وتثبيته في ذهن السامع كصرخة تنبيه تدعو إلى الارتداع واليقظة.
الإيحاء النفسي والوجداني: إيقاع اللفظ (الغلي، الحميم) يثير في النفس انقباضاً ورهبة، لما يحمله من دلالات الفوران والحرارة التي لا تطاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار هول وعيد الله تعالى: الموعظة الجلية بذكر أهوال جهنم لتكون زاجراً عن الوقوع في معاصي الله ورادعاً عن التكبر والتجبر في الأرض.
استحضار قيمة الارتواء الحلال في الدنيا: شكر الله تعالى على نعمة الماء البارد العذب، وتذكر أن الماء الذي نتنعم ببرودته اليوم قد يحرم منه أهل النار ويعاضون عنه بالحميم والغساق.