التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٨٢)مصدر غير محدد٢٢/٨٢ في قوله تعالى: {فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: أي أعطاهم هذا النعيم العظيم، ووقاهم ذلك العذاب الأليم، تفضلاً منه عليهم وإحساناً ومنة، لا واجباً عليه سبحانه، وذلك الذي أعطاهم هو النجاح الأعظم والظفر الأكبر بكل خير. وفي الصحيحين (البخاري ٦٤٦٣، ومسلم ٢٨١٦) من حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل. وقال ابن كثير (٧/ ٢٦٥)مصدر غير محدد٧/٢٦٥: أي إنما حصل لهم هذا النعيم المقيم بفضل الله تعالى ورحمته وإحسانه، كما ثبت في الصحيح، فالله هو المتفضل بالهداية والعمل الصالح والتوفيق، والمتفضل بالثواب والقبول والخلود.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نصب {فَضْلًا}، وقراءة الآية كلها بالاتفاق الإجماعي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَضْلًا}: الفضل: الإحسان والزيادة والعطاء الذي لا يقابله عوض ولا يستحقه المخلوق بذاته كحق واجب، بل هو محض كرم الجواد الكريم سبحانه.
{الْفَوْزُ}: الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
{الْعَظِيمُ}: البالغ أقصى مراتب الكبر والشرف والجلالة.
الإعراب الدقيق:
{فَضْلًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره تفضل عليهم بذلك فضلاً، أو مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ أي فعل ذلك بهم لأجل فضله وإحسانه، أو مصدر في موضع الحال.
{مِنْ}: حرف جر لابتداء الغاية.
{رَبِّكَ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جر مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بـ فضلاً.
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{هُوَ}: ضمير فصل مبني على الفتح لا محل له من الإعراب يفيد القصر والحصر والتوكيد، أو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانٍ.
{الْفَوْزُ}: خبر المبتدأ ذلك (أو خبر المبتدأ هو) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{الْعَظِيمُ}: نعت لـ (الفوز) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رد الأمر كله إلى الله صاحب الفضل والمنة:
بعد أن سرد النظم الإلهي كل هذه النعم الباهرة التي تقر بها الأعين، حسم القضية بنسبتها إلى مصدرها الحقيقي: {فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ}، لئلا يظن ظان أن العبد استحق ذلك بذاته أو أن له على ربه دالّة وحقاً واجباً.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم:
قوله {مِنْ رَبِّكَ} تشريف وتكريم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة الربوبية إلى كاف خطابه، وإشعاره بأن هذا الإنعام على أمته وأتباعه إنما هو فضل وإكرام لرسوله الأمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: كيف نجمع بين قوله {فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ} وبين قوله تعالى في آيات أخرى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}؟
المحاكمة والبيان:
لا تعارض بحمد الله؛ فالباء في (بما كنتم تعملون) باء السببية؛ فالأعمال الصالحة سبب عادي أعده الله لدخول الجنة، ولكن السبب ذاته (من التوفيق للعمل الصالح والهدى والإخلاص وتثبيت القلب) هو محض فضل من الله وهداية منه.
والجنة أعظم وأجل من أن تكافئها أعمال الإنسان القليلة المعدودة؛ فلو حاسب الله العبد على نعم الدنيا وحدها (كنعمة البصر والسمع والعافية) لاستغرقت أعماله كلها، فيبقى دخول الجنة وخلودها فضلاً محضاً ورحمة واسعة منه سبحانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.
الحصر والتوكيد بضمير الفصل {هُوَ}: {ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} لقصر صفة الفوز الحقيقي الكامل على هذا الفوز؛ فكل فوز في الدنيا من مال أو جاه أو رياسة إنما هو فوز خادع وصغير وموقوت، والفوز الحق هو الخلود في رضوان الله.
الإشارة بـ {ذَٰلِكَ} للبعيد: دلالة على علو رتبة هذا الفوز وسمو مكانته وتجاوزه لكل ما يمكن أن تتخيله العقول.
إضافة الربوبية الخاصة {رَبِّكَ}: تفيض بالرحمة والعطف والتشريف للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ولكل من سار على دربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الانكسار والاعتراف بالفضل والمنة: أن يعلم العبد أنه مهما قدم من طاعات وتضحيات فهو عاجز عن أداء شكر أصغر نعم ربه، وأن نجاته مرهونة برحمة الله وفضله.
تصحيح معايير الربح والخسارة: المؤمن لا يحزن على ما فاته من الدنيا الفانية، ولا يغتر بما ناله فيها؛ لأن بصره معلق بـ الفوز العظيم الذي لا يخيب طالبه.