التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٦٦-٦٧)مصدر غير محدد٢٢/٦٦ وابن كثير (٧/ ٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٧٠ والقرطبي (١٦/ ١٥٠)مصدر غير محدد١٦/١٥٠: ما خلقنا السماوات والأرض إلا بالحق والعدل والصدق والحكمة والغاية العظيمة؛ ليأمر العباد ويوجههم بالشرائع، ويبتليهم بالعمل، ثم يجمعهم في يوم لا ريب فيه ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون ذلك ولا يتدبرونه؛ لغفلتهم وجهلهم وظلمة قلوبهم بالشرك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا يَعْلَمُونَ}: نفي العلم الحقيقي المثمر للإيمان والإدراك؛ لغلبة الجهل والهوى عليهم.
الإعراب الدقيق:
{مَا}: نافية مهملة مبنية على السكون.
{خَلَقْنَاهُمَا}: خلق: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، وهما ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به يعود على السماوات والأرض.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة والمصاحبة حرف جر، الحق اسم مجرور، والجار والمجرور في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول (أي ملتبسين بالحق).
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة أو حالية، لكنّ: حرف استدراك ونصب ناسخ.
{أَكْثَرَهُمْ}: اسم لكن منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع.
{لَا}: نافية مهملة.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإثبات المحكم بعد النفي المنزه: في الآية السابقة نفى اللعب {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ... لَاعِبِينَ}، وفي هذه الآية أثبت الأصل الإيجابي المقابل {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}؛ ليتقرر كمال التنزيه وكمال الحكمة في سياق برهاني محكم.
التمهيد ليوم الفصل: إذا كان الخلق بالحق، فالحق يقتضي إقامة ميزان العدل والفرز بين الخلائق؛ فجاء عقيبها مباشرة: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مفهوم (الحق) كركيزة ناظمة للكون والشريعة:
الحق في المنظور القرآني ليس فكرة مجردة، بل هو ناموس الكون الذي قامت به السماوات والأرض؛ فالقوانين الكونية تجري بالحق، والشرائع المنزلة هي الحق، ويوم القيامة هو موعد إحقاق الحق المطلق؛ فمن عاش في الباطل والشرك كان نشازاً متمرداً على ناموس هذا الوجود كله.
حقيقة الجهل المنفي: وصفهم بـ {لَا يَعْلَمُونَ} نفي لثمرة العلم؛ فهم قد يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وصناعاتها وتجارتها، ولكنهم يجهلون الحقيقة الكبرى والغاية الوجودية العظمى.
صيغة القصر بـ {مَا... إِلَّا}: لقصر خلق السماوات والأرض على ملابسة الحق وحده، ونفي كل شائبة باطل أو عبث.
التعبير بـ {أَكْثَرَهُمْ}: إنصاف قرآني معجز؛ فالأكثرية غارقة في الجهل، مع بقاء فئة مفكرة منصفة تدرك الحق وتهتدي به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير المعيار من سلطة الكثرة العددية: الكثرة في القرآن غالباً ما تقترن بنفي العلم والإيمان والشكر: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فالمسلم يستمسك بالحق ولو كان وحده، ولا يغتر بكثرة الهالكين.
التعلق بالحق ومحاربة الباطل: إذا كان الكون كله مبنياً بالحق، فليكن قولك وفعلك وعملك وسلوكك دائراً مع الحق حيث دار.