أخرج الإمام الترمذي في سننه (رقم ٣٢٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٥٦ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانِ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}».
وروى الطبري (٢٢/ ٥٢-٥٦)مصدر غير محدد٢٢/٥٢ وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: أتى ابنَ عباس رجلٌ فقال: يا أبا العباس، أرأيت قول الله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}، فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟! قال ابن عباس: «نَعَمْ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الخَلْقِ إِلَّا لَهُ بَابٌ فِي السَّمَاءِ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ وَيَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ؛ فَإِذَا مَاتَ المُؤْمِنُ فَانْقَطَعَ عَمَلُهُ وَرِزْقُهُ بَكَى عَلَيْهِ مَوْضِعُ سُجُودِهِ مِنَ الأَرْضِ، وَبَكَى عَلَيْهِ بَابُهُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ مِنَ السَّمَاءِ؛ وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الأَرْضِ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَلَمْ يَصْعَدْ لَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ خَيْرٌ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، وَلَمْ يُنْظَرُوا سَاعَةً وَاحِدَةً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَمَا بَكَتْ}: البكاء: فيض الدمع حزناً على فوات محبوب؛ وإسناده للسماء والأرض إما حقيقة بكاء تليق بهما وبشعورهما كما ثبت في تسبيح الحصى وحنين الجذع، وإما تمثيل واستعارة بليغة لهوانهم وانعدام من يكترث لهلاكهم.
{مُنْظَرِينَ}: من الإنظار وهو التأخير والإمهال؛ أي لم يؤخروا طرفة عين عند حلول الأجل والغرق.
الإعراب الدقيق:
{فَمَا}: الفاء عاطفة لترتيب الهوان على إهلاكهم، ما: نافية مبنية على السكون.
{بَكَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث حرف لا محل له.
{وَالْأَرْضُ}: الواو عاطفة، الأرض معطوف مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما: نافية مهملة.
{كَانُوا}: كان فعل ماض ناسخ، والواو اسمها.
{مُنْظَرِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك ختام قصة فرعون في السورة: ختام مروع يقطع دابر التوهم بالأهمية؛ كان الملوك إذا مات أحدهم قالت شعراؤهم في الجاهلية نفاقاً: (بكت عليه السماء والأرض وأظلمت لفقده الشمس)، فجاء القرآن ليكشف الحقيقة العارية: ما بكت عليهم سماء ولا أرض، بل كان هلاكهم فرحاً للكائنات وخلاصاً للأرض والعباد.
استعجال الهلاك بلا إنظار: نفي الإنظار {وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} يناسب هجوم موج البحر عليهم واستئصالهم في لحظة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة شعور الجمادات والكائنات الحية في الرؤية الإسلامية:
القرآن والحديث يثبتان أن للجمادات (السماء، الأرض، الجبال، الشجر) شعوراً وتسبيحاً وحياة تليق بها وبإدراكها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}، وحن الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم، واهتز أحد، وسبح الحصى في كفه؛ فبكاء السماء والأرض على المؤمن حقيقة إيمانية ثابتة، وحرمان الظالمين من هذا البكاء دليل على خستهم عند الله وعند سائر خلقه.
نفي أوهام التخليد للظالمين: لا ينفع الظالم أهراماته ولا مقابر الرخام المحنطة؛ فالكون يلفظه ولا يكترث بزواله.
نفي البكاء التام: إظهار لأقصى درجات الهوان والاحتقار؛ فالأرض استراحت من فسادهم، والسماء لم تفقد منهم عملاً صالحاً، والملائكة فرحوا بهلاكهم.
الإيجاز المزلزل في {وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}: تأكيد سرعة القضاء؛ لم يُمهلوا للتوبة ولا لفدية ولا لوداع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صلة المؤمن بالكون والأرض: المؤمن يعمر الأرض بالسجود والعمل الصالح؛ فتألفه بقاع الأرض، وتشتاق إليه أبواب السماء، ويترك أثراً طيباً طيباً تبكيه البقاع إذا رحل.
الحذر من أن يكون الإنسان عبئاً على الأرض: قال النبي صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ؛ العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (رواه البخاري ومسلم).