التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٧)مصدر غير محدد٢٢/٧٧ عن ابن عباس وقتادة: لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء وما هم فيه من العذاب المقيم وطعام الزقوم وصب الحميم، ثنّى بذكر السعداء وأهل التقوى، فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}؛ أي في موضع إقامة ومجلس أمنوا فيه من كل مكروه وحزن، ومن عذاب جهنم وزوال النعيم والموت. وعن الحسن البصري: أمنوا من الموت، وأمنوا من الشيطان، وأمنوا من الهم والحزن والأسقام، وأمنوا من عذاب الله ومقته، فاستقروا في جوار رب العالمين سالمين مكرمين. وجاء في تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦٤)مصدر غير محدد٧/٢٦٤: لما فرغ من ذكر مآل الأشقياء الفجار وما أعد لهم من النكال والدمار، شرع في ذكر حال المتقين الأبرار في دار القرار، وما حبوا به من النعيم المقيم والخلود الأبدي في جوار الكريم المنان.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر: {فِي مُقَامٍ أَمِينٍ} بضم الميم؛ وهو مصدر ميمي أو اسم مكان من أقام يُقيم إقامة؛ أي: في موضع إقامة واستقرار دائم لا يعتريه ظعن ولا انتقال.
وقرأ الباقون (ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر): {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} بفتح الميم؛ اسم مكان من قام يقوم قياماً؛ أي في موضع قيام ومجلس شريف ومكانة رفيعة.
والقراءتان كالآيتين تكمل إحداهما الأخرى؛ فالموضع موضع إقامة خالدة، وهو في الوقت نفسه مجلس عز ومكانة سامية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المعجم والاشتقاق:
{الْمُتَّقِينَ}: جمع متّقٍ، اسم فاعل من اتّقى يَتَّقي اتقاءً، وأصله اوتقى من الوقاية؛ وهم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه والبعد عن الشرك والمعاصي.
{أَمِينٍ}: نعت لـ (مقام) مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية المعجزة (قانون المثاني):
جرياً على سنن القرآن الكريم العظيم في إتباع الترهيب بالترغيب، وذكر مآل الأبرار إثر مآل الفجار؛ ليتحقق التوازن النفسي بين الخوف والرجاء.
المقابلة بين المشهدين:
الأثيم هناك في عتل وسحب إلى سواء الجحيم وصب الحميم، والمتقي هنا في مقام أمين وكرامة وخلود؛ فما أعظم المفارقة بين ضيق الجحيم وسعة الجنات!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: كيف يوصف المقام بالأمان وهو جماد لا يعقل؟
المحاكمة والبيان:
وصف المكان بـ {أَمِينٍ} مجاز عقلي بديع ورصين؛ حيث أُسند الأمن إلى موضع الإقامة للمبالغة في استقرار الأمان وتمكنه من كل زاوية من زوايا هذا المقام.
فإذا كان المكان نفسه أميناً لا تتطرق إليه الآفات ولا الخوف ولا الزوال، فكيف بالساكن فيه؟! فالأمن محيط بهم من كل جانب: أمن من زوال النعيم، وأمن من الآلام، وأمن من النكد، وأمن من سخط الرحمن.