ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ١٠-١٣)مصدر غير محدد٢٢/١٠، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٥٥-٢٥٦)مصدر غير محدد٧/٢٥٥، والقرطبي (١٦/ ١٢٧-١٢٩)مصدر غير محدد١٦/١٢٧: جواب القسم في الآية السابقة؛ والمقصود بالضمير في {أَنْزَلْنَاهُ} هو القرآن العظيم المذكور في قوله: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}.
تحقيق المراد بـ {لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}: اتفق جماهير الصحابة والتابعين ومحققي أئمة التفسير (عبد الله بن عباس، قتادة، مجاهد، الحسن البصري، سعيد بن جبير، ابن زيد، الطبري، ابن كثير) على أنها ليلة القدر في شهر رمضان المبارك، لقوله تعالى صريحاً محكماً: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
رد الرواية الضعيفة المنسوبة لعكرمة: قال ابن كثير: "ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان - كما روي عن عكرمة - فقد أبعد النَّجْعة؛ فإن نص القرآن صريح في أنها في رمضان، والقرآن لا يناقض بعضه بعضاً".
الحديث الصحيح في كيفية نزول القرآن: أخرج الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢)مصدر غير محدد٢/٢٢٢ وصححه ووافقه الذهبي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «أُنْزِلَ القُرْآنُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ، وَكَانَ اللَّهُ يُنْزِلُهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَهُ فِي إِثْرِ بَعْضٍ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{مُبَارَكَةٍ}: كثيرة الخيرات، نامية الفضائل، مضاعفة الأجور؛ من البركة وهي ثبوت الخير الإلهي في الشيء ونماؤه.
{مُنْذِرِينَ}: الإنذار: الإبلاغ المقترن بالتخويف والتحذير من عواقب الشر والمعاصي قبل حلول العذاب.
الإعراب الدقيق:
{إِنَّا}: إنّ حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها المدغم فيها.
{أَنْزَلْنَاهُ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به يعود على القرآن، والجملة في محل رفع خبر إن، وجملة {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
{مُبَارَكَةٍ}: نعت لـ (ليلة) مجرور بالكسرة الظاهرة.
{إِنَّا}: إن حرف توكيد ونصب، و(نا) اسمها.
{كُنَّا}: كان فعل ماض ناسخ، و(نا) اسمها.
{مُنْذِرِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة خبر إن، وجملة {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اقتران شرف الكتاب بشرف الزمان: لما أقسم بالكتاب المبين، بيّن ظرف زمان نزوله وهو أشرف الليالي وأعظمها بركة، ثم بين الحكمة والغاية من الإنزال: {إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}؛ فليس الإنزال لمجرد التلاوة المجردة بل للإنذار وإيقاظ الإنسانية من سباتها.
التناسق التام مع سورة القدر: سورة الدخان تؤكد ما جاء في سورة القدر؛ فكلتاهما افتتحتا بـ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}، والواحدة فسرت الأخرى وأحكمت بيانها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض شبهة التناقض المزعوم في نزول القرآن:
زعم الطاعنون أن قوله {أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} يناقض نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة.
المحاكمة العقدية التفسيرية: نزول القرآن له مرحلتان: المرحلة الأولى: إنزاله جملة واحدة في ليلة القدر المباركة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا تكريماً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاناً لشرف الرسالة في الملأ الأعلى؛ والمرحلة الثانية: إنزاله مفرقاً منجماً بواسطة جبريل عليه السلام على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع والحوادث وتثبيتاً لفؤاده الشريف؛ فلا تناقض البتة، بل هو كمال التدبير والحكمة.