التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٤٧-٤٨)مصدر غير محدد٢٢/٤٧ وابن كثير (٧/ ٢٦٦)مصدر غير محدد٧/٢٦٦ والقرطبي (١٦/ ١٤٣)مصدر غير محدد١٦/١٤٣: هذا بيان لما تركه فرعون وقومه من النعيم العريض والخيرات الواسعة في ديار مصر بعد أن هلكوا غرقاً في البحر؛ فكم ترك هؤلاء الجبابرة وراءهم من البساتين النضرة، والحدائق الغناء، والعيون المائية العذبة الجارية، والأنهار المتفجرة التي سقتها أرض مصر؛ ذهبت عنهم في طرفة عين وورثها غيرهم!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كَمْ}: خبرية تفيد التكثير والتعجيب من كثرة ما خلفوه من النعيم.
{جَنَّاتٍ}: جمع جنة، وهي الحديقة الملتفة بالأشجار والظلال التي تجن وتستر ما بداخلها لكثافتها.
{وَعُيُونٍ}: ينابيع الماء العذب المتدفقة لسقيا الأرض والزروع.
الإعراب الدقيق:
{كَمْ}: اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل (تركوا)، وهو خبري يفيد التكثير.
{تَرَكُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{مِنْ جَنَّاتٍ}: جار ومجرور تمييز لـ (كم) الخافضة التكثيرية، أو متعلقان بمحذوف حال.
{وَعُيُونٍ}: الواو عاطفة، عيون معطوف على جنات مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرثاء الإلهي الساخر لزوال الحضارات المادية: بعد أن أعلن غرقهم، تحول السياق فوراً إلى تصوير تركتهم ومخلفاتهم التي عاشوا فيها أجيالاً يتنعمون بها؛ لإبراز التناقض الصادم بين ثبات الأماكن وزوال الساكنين؛ فالأنهار والبساتين بقيت كما هي، ولكن أصحابها تحولوا إلى جثث طافية في قعر اليم!
الملاءمة لمقصد السورة وسورة الزخرف: فرعون افتخر سابقاً بالأنهار: {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}، فبين الله هنا أنه ترك تلك الأنهار والعيون قهراً وصغاراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفاهة الممتلكات المادية عند نزول بأس الله:
الحضارة الفرعونية بلغت ذروة العمارة والزراعة ووفرة المياه؛ ولكن هذا الزخرف المادي لم يقدم لهم أدنى حماية من سخط الله؛ فالحضارات إنما تبقى بالإيمان والعدل، وتزول بالكفر والظلم مهما شيدت من بساتين وعيون ومبانٍ شاهقة.
التعبير بـ {كَمْ} التكثيرية: لفتح باب الخيال أمام كثرة البساتين والواحات والعيون التي لا يحصيها العد في أرض النيل، وتعميق حسرة الفوات والزوال.
الإسناد بالفعل {تَرَكُوا}: دلالة على الانفصال القهري؛ فالإنسان لا يترك النعيم باختياره، بل انتُزعوا منه انتزاعاً بالموت والغرق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الزهد في بريق الدنيا الفانية: على المؤمن أن يدرك أن كل ما يملكه في الدنيا زائل ومتروك لا محالة؛ فالعاقل من يعمر دار الخلد التي لا فناء لبساتينها وعيونها.
الاعتبار بمصير الظالمين: الوقوف على أطلال الحضارات البائدة يورث القلب خشية لله وحياءً منه، ويدفع إلى الاستقامة قبل المباغتة.