التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٦٨)مصدر غير محدد٢٢/٦٨ وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٧١)مصدر غير محدد٧/٢٧١ والقرطبي (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: هذا إعلان رباني جازم بالميعاد الحتمي الأكبر؛ إن يوم القيامة - الذي يفصل الله فيه بين عباده بقضائه العادل، فيميز المحق من المبطل، والمؤمن من الكافر، وينصف المظلوم من الظالم - هو الميقات المضروب والوقت المحدد الموقوت لاجتماع جميع الخلائق، الأولين والآخرين، من الإنس والجن، لا يتخلف عنه أحد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْفَصْلِ}: الفَصْل: القطع والتمييز بين الشيئين؛ وسمي يوم القيامة يوم الفصل لأن الله يفصل فيه بين الحق والباطل، ويفصل بين أهل الجنة وأهل النار، ويقضي بين الخلائق بحكمه الذي لا جور فيه.
{مِيقَاتُهُمْ}: الميقات: الموعد والوقت المحدد المنضبط لأمر ما؛ مفعال من الوقت.
{أَجْمَعِينَ}: توكيد معنوي يفيد العموم والاستيعاب التام لجميع المكلفين دون شذوذ فرد واحد.
{أَجْمَعِينَ}: توكيد معنوي للضمير المجرور في (ميقاتهم) مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة الحتمية لخلق الكون بالحق: بعد أن أثبت أن السماوات والأرض خُلقتا بالحق، رتب على ذلك بالتوكيد بـ (إنّ) إعلان موعد تحقيق هذا الحق الكامل وهو {يَوْمَ الْفَصْلِ}؛ ليعلم الجاحدون أن الميعاد محدد محتوم.
التمهيد لتصوير عجز الخلائق في ذلك اليوم: أعلن الميقات الجامع، ثم فصّل في الآية التالية انقطاع الأسباب والعلائق الدنيوية في ذلك اليوم: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية يوم الفصل لإقامة العدالة المطلقة:
لو لم يكن هناك يوم فصل لكانت الحياة مسرحاً للظلم والإفلات من العقاب؛ فكم من طاغية قتل الآلاف ومات على فراشه هادئاً، وكم من مظلوم عاش مقهوراً ومات دون أن ينال حقه؛ فيوم الفصل هو الموعد الذي تكتمل فيه موازين القسط الإلهي: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}.
انضباط الميقات: سمي {مِيقَاتًا} لبيان أنه وقت مقدر بأجل إلهي محكم لا يتقدم لحظة ولا يتأخر، وليس خاضعاً لعجلة البشر واقتراحاتهم.
تسمية القيامة بـ {يَوْمَ الْفَصْلِ}: لإبراز جوهر الحدث؛ فهو يوم التمايز التام والفرز الحاسم بين حزب الرحمن وحزب الشيطان: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}.
التوكيد الحاسم بـ {أَجْمَعِينَ}: قطع لكل أمل في الهرب أو التخلف عن المحشر؛ فالكل مجموع إلى ميقات ذلك اليوم المشهود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد التام ليوم الفصل: المؤمن يضع يوم الفصل نصب عينيه في كل معاملة وموقف؛ فيتحرى العدل ويؤدي الأمانات ويتحلل من المظالم قبل أن يُفصل بينه وبين خصومه.
اليقين بحساب الظالمين: طمأنينة لقلوب المظلومين والمصلحين بأن حقوقهم محفوظة وأن ميعاد الفصل قادم لا ريب فيه.