التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٦٦)مصدر غير محدد٢٢/٦٦ وابن كثير (٧/ ٢٧٠)مصدر غير محدد٧/٢٧٠ والقرطبي (١٦/ ١٥٠)مصدر غير محدد١٦/١٥٠: هذا برهان عقلي كوني باهر على حتمية البعث والجزاء؛ ما خلقنا هذه السماوات الشاهقة البديعة، وهذه الأرض الممدودة، وما بينهما من الخلائق والأفلاك العظيمة عبثاً ولا باطلاً ولا سدى ولا لاعبين لهواً بغير حكمة؛ بل خلقناها بحكمة بالغة وأمر محكم ليُعبد الله وحده، ويُجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَاعِبِينَ}: جمع لاعب؛ واللعب: الاشتغال بما لا نفع فيه ولا ثمرة له ولا غاية رشيدة ترجى منه؛ ونفي اللعب عن الله تنزيه لذاته العلية عن العبث والباطل.
{وَمَا بَيْنَهُمَا}: عوالم الفضاء والملائكة والرياح والسحاب وسائر الكائنات.
الإعراب الدقيق:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما: نافية مبنية على السكون.
{خَلَقْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما: اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على الأرض.
{بَيْنَهُمَا}: بين ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، وهما مضاف إليه.
{لَاعِبِينَ}: حال منصوبة من الفاعل (نا) وعلامة نصبها الياء لأنه جمع مذكر سالم (أي: ما خلقناهما ونحن لاعبون أو في حال لعب).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط العضوي بين نفي العبث وإثبات المعاد: لما أنكر المشركون البعث وقالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ}، رد عليهم بهذا الأصل العقلي العظيم: إنكار البعث يستلزم أن يكون خلق هذا الكون العظيم لعباً وعبثاً لا غاية له؛ والله منزه عن اللعب؛ فثبت عقلاً ضرورة وجود يوم القيامة والجزاء العادل.
التمهيد لبيان الغاية بالحق في الآية التالية: نفى اللعب أولاً، ثم قرر الغاية الإيجابية: {مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان الغائي العقلي لنفي العدمية وإثبات الآخرة:
القرآن يؤصل البدهية العقلية الكبرى: كل صانع حكيم يصنع آلة دقيقة يضع لها غاية وهدفاً، فكيف برب العالمين الذي أبدع هذا الكون المترامي الأطراف بنظامه الفيزيائي والفلكي والبيولوجي البديع؟! هل يعقل في موازين المنطق أن يخلق هذا كله ليعيش الإنسان بضع سنين يأكل ويشرب ثم يموت وينتهي كل شيء بلا حساب ولا ميزان ولا فصل بين القاتل والمقتول والظالم والمظلوم؟! هذا هو عين اللعب والعبث المستحيل على الله سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}.