التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٣)مصدر غير محدد٢٢/٧٣ عن قتادة وابن عباس: يقال للزبانية: خذوه فاعتلوه، أي سوقوه بعنف وجروه جراً شديداً ورداً على أعقابه، مقهوراً ذليلاً إلى وسط جهنم. وفي تفسير ابن كثير (٧/ ٢٦٣)مصدر غير محدد٧/٢٦٣: يأمر الله ملائكة العذاب الغلاظ الشداد أن يأخذوا هذا الأثيم الكافر الفاجر، فيعتلوه؛ أي يقودوه سحباً ودفعاً وإهانة إلى قعر الجحيم ووسطها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن الملائكة لتتناوشه بمقامع الحديد، فتدفعه في ظهره حتى يُقذف في سواء الجحيم.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، وعاصم بحفص، وحمزة، وابن عامر): {فَاعْتُلُوهُ} بضم التاء؛ من عَتَلَ يَعْتُلُ.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وشعبة عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف: {فَاعْتِلُوهُ} بكسر التاء؛ من عَتَلَ يَعْتِلُ.
وهما لغتان فصيحتان في مضارع عتل؛ كيعرُش ويعرِش، ويعكُف ويعكِف، والمعنى واحد: وهو الجر العنيف بالدفع والإكراه والإهانة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{خُذُوهُ}: الأخذ: حيازة الشيء بالقوة والقهر، والأمر هنا صادر من الله تعالى لملائكة العذاب (الزبانية).
{فَاعْتِلُوهُ}: العَتْل في اللغة: الجر العنيف والشدة في السَّوق؛ عتله يعتُله ويعتِله عتلاً إذا قبض على مجامع ثيابه أو تلبّبه فقاده بعنف وغلظة دون هوادة. قال الجوهري في الصحاح: عتله أي جذبه جذباً عنيفاً.
{سَوَاءِ}: سواء الشيء: وسطه ومركزه وعدله؛ وسواء الجحيم أي وسط النار الذي هو أشدها حراً وأعظمها اشتعالاً وتوهجاً.
{الْجَحِيمِ}: النار العظيمة المضطرمة المتأججة بعضها فوق بعض.
الإعراب الدقيق:
{خُذُوهُ}: فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به.
{فَاعْتِلُوهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، اعتلوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{إِلَى}: حرف جر يفيد انتهاء الغاية المكانية.
{سَوَاءِ}: اسم مجرور بإلى وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْجَحِيمِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (اعتلوه).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات والنقلة المشهدية:
بعد أن كان الحديث خبراً غائباً يصف طعام الأثيم {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ}، التفت السياق إلى أسلوب الخطاب والأمر الصادر من مالك الملك للزبانية: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ}، مما يبعث في النفس هيبة المشهد وحضوره الحي أمام البصائر.
سر الفاء العاطفة:
مجيء الفاء في {فَاعْتِلُوهُ} يفيد سرعة الامتثال التام من الملائكة؛ فبمجرد صدور الأمر الإلهي بالأخذ يقع العتل والسحب العنيف فوراً دون أدنى تراخٍ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: لماذا خُصّ العتل والسحب إلى سواء الجحيم بالذات؟
المحاكمة والبيان:
وسط الشيء هو أمكن مواضعه وأشدها انحصاراً وإحاطة؛ فالعتل إلى أطراف النار ليس كالعتل إلى وسطها ومركز لهيبها المتأجج، حيث تجتمع طبقات النيران من فوقه ومن تحته وعن يمينه وشماله.
هذا الموضع يقطع على المعذب كل أمل في النجاة أو التخفيف؛ إذ هو محاصر بالحرارة المطلقة من كل جهة، وذلك جزاء تكبره في الدنيا واعتداده بنفسه في مركز الصدارة والجاه الباطل.
الإيجاز المروّع بحذف القائل: حُذف القائل لعلم المخاطبين بأنه رب العزة والجلال؛ وفي حذف الفاعل لصدور الأمر إشعار بالجبروت والهيبة المطلقة التي ترتعد لها فرائص الجبابرة.
التصوير الحركي للإهانة: كلمة {فَاعْتِلُوهُ} ترسم صورة حسية بالغة القوة لسحب الجبابرة وجرهم على وجوههم، لتقابل ما كانوا يمشون به في الدنيا من الخيلاء والزهو والتكبر.
البلاغة في اختيار لفظ {سَوَاءِ}: لم يقل إلى الجحيم بل قال {إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} لبيان أنه ملقى في قعرها الأعظم عذاباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر الكبرياء البشري: إدراك أن كل استكبار على الحق ينتهي بالذل والعتل بين يدي ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
التواضع لله ولخلقه: لزوم الانكسار بين يدي الله والإخبات إليه، فإن المتكبرين يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم لهوانهم على الله.