التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢٢/ ٦٨-٦٩)مصدر غير محدد٢٢/٦٨ وابن كثير (٧/ ٢٧١)مصدر غير محدد٧/٢٧١ والقرطبي (١٦/ ١٥١)مصدر غير محدد١٦/١٥١: تفصيل لما يجري في يوم الفصل من انقطاع الروابط والعصبيات الدنيوية؛ في ذلك اليوم المروع لا يدفع قريب عن قريبه شيئاً من عذاب الله، ولا ينفع صديق صديقه، ولا سيد عبده، ولا حليف حليفه، ولا يجدون أحداً ينصرهم أو يدفع عنهم بأس الله وسخطه؛ كما قال تعالى: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَا يُغْنِي}: الإغناء: الدفع والنفع والجزاء؛ يقال: أغنى عنه كذا إذا أجزأ عنه ودفع عنه المكروه.
{مَوْلًى}: المولى في لغة العرب من الألفاظ المشتركة، ويطلق على: القريب، والنسيب، والصديق، والناصر، والسيد، والعبد، والحليف؛ ونفي الإغناء هنا يعم جميع معاني الولاية والمصاهرة والقرابة الدنيوية.
{شَيْئًا}: أي شيئاً يسيراً من الدفع أو النفع.
{يُنْصَرُونَ}: يمنعون من عذاب الله أو يُغلب لهم قاهر.
الإعراب الدقيق:
{يَوْمَ}: بدل من (يوم الفصل) في الآية السابقة منصوب بالفتحة الظاهرة (أو ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره اذكر يوم).
{لَا}: نافية مهملة.
{يُغْنِي}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل.
{مَوْلًى}: فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
{عَنْ مَوْلًى}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يغني).
{شَيْئًا}: مفعول به لـ (يغني) منصوب بالفتحة الظاهرة، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي لا يغني إغناءً ما قليلاً ولا كثيراً).
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا: نافية مهملة.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُنْصَرُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك أوهام الشفاعة والاتكالية القبلية: المشركون في الدنيا كانوا يعتمدون على قوة القبيلة والأحلاف والعشيرة لردع الخصوم وحماية الظالمين؛ فجاءت الآية لتعلن سقوط كل هذه الحمايات في الدار الآخرة؛ فكل إنسان مرتهن بعمله وحده.
التمهيد للاستثناء بالرحمة الإلهية: نفى النصر والإغناء عن جميع الموالي، ثم استثنى مباشرة: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فردية المسؤولية والجزاء في ميزان العدل الإلهي:
الآية تؤصل أصلاً قرآنياً محكماً: المسؤولية الجنائية والأخلاقية فردية مطلقة؛ لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يتحمل أحد عقوبة غيره، ولا يستطيع أعظم الوجهاء أن يفتدي قريبه من عذاب جهنم: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.