التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢٢/ ٥٦-٥٧)مصدر غير محدد٢٢/٥٦، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٦٧)مصدر غير محدد٧/٢٦٧، والقرطبي (١٦/ ١٤٥)مصدر غير محدد١٦/١٤٥: هذا امتنان عظيم من الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم من إنقاذهم وتخليصهم من قبضة فرعون وجبروته، ومن ذلك العذاب المذل المخزي الذي كانوا يُسامونه دهراً طويلاً؛ حيث كان فرعون يذبح أبناءهم الذكور حديثي الولادة، ويستحيي نساءهم للخدمة والابتذال، ويسخر رجالهم في أشق الأعمال وأحقرها من نقل الحجارة والطين وبناء الصروح بلا أجر ولا هوادة؛ فأنقذهم الله منه بمعجزة فلق البحر وإغراق عدوهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{نَجَّيْنَا}: التنجية: التخليص والإخراج من المهلكة ومواضع الخوف إلى بر الأمان والسلامة؛ مأخوذ من النَّجْوة وهو المكان المرتفع المستور عن السيل.
{الْمُهِينِ}: اسم فاعل من أهان؛ وهو العذاب المصحوب بالإذلال والتحقير وصغار الشأن، لا يقتصر على ألم الجسد بل ينفذ إلى كرامة النفس فيسحقها.
الإعراب الدقيق:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق مبني على السكون.
{نَجَّيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{بَنِي}: مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{إِسْرَائِيلَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
{الْمُهِينِ}: نعت لـ (العذاب) مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج قصة الغرق ببيان ثمرة النجاة: بعد أن فصّل مشهد غرق فرعون وجنوده وزوال بساتينهم ومقامهم الكريم وهوان مصرعهم، أتبعه مباشرة ببيان الوجه المقابل من النعمة وهو خلاص بني إسرائيل ونجاتهم؛ لإظهار التلازم بين هلاك الطاغية ونجاة المستضعفين.
التمهيد لبيان اصطفائهم وابتلائهم: النجاة من العذاب المهين كانت أولى درجات الإنعام، وتلاها الاصطفاء بالعلم والآيات في الآيات اللاحقة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير الفرق بين العذاب الجسدي والعذاب المهين:
القرآن دقيق في توصيفاته؛ لم يقل (العذاب الشديد) بل قال {الْعَذَابِ الْمُهِينِ}؛ لأن أقسى ما يتعرض له الإنسان ليس مجرد التعب الجسدي، بل استلاب الكرامة وامتهان الإنسانية وإشعاره بأنه عبد مهان لا حق له ولا حرمة؛ فكانت المنة بإنقاذه من المهانة أعظم منة.
إقامة الحجة على يهود المدينة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم: تذكيرهم بهذه النعمة التاريخية الكبرى يوجب عليهم شكر المنعم باتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والكف عن التكذيب.