التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٦)مصدر غير محدد٢٢/٧٦ عن السدي ومجاهد: {إِنَّ هَٰذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ}: أي هذا العذاب والنكال الذي تشاهدونه وتقاسونه هو الذي كنتم تشكون فيه في الدنيا وتكذبون الرسل حين يخبرونكم بوقوعه. وقال قتادة: يقال لهم ذلك توبيخاً وحسرة: هذا ما كنتم تمارون فيه الأنبياء والمؤمنين وتخاصمونهم بالباطل لدحض الحق، فأصبح اليوم حق اليقين وعين اليقين الذي لا مهرب لكم منه. وجاء في تفسير السعدي (ص ٧٧٥)مصدر غير محدد٧٧٥: أي: هذا العذاب العظيم هو الذي كنتم تشكون فيه ولا تصدقونه، فها هو ذا قد حل بكم ووقع عليكم، فذوقوا ألم ما كنتم تكذبون.
توجيه القراءات المتواترة:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة: {إِنَّ هَٰذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ}، بالتاء الفوقية في (تمترون) خطاباً للمشركين المكذبين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{هَٰذَا}: اسم إشارة للقريب المحسوس المشاهد، ويدل على تحول الغيب إلى شهادة مادية عينية.
{تَمْتَرُونَ}: المِرْية والمِرية: الشك والارتياب، وافتعل منه امترى يمترى امتراءً، وتأتي بمعنى الشك المقترن بالمخاصمة والمماراة بالباطل في مواجهة الحجج القاطعة.
الإعراب الدقيق:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم إنّ.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر إنّ (أو مصدرية).
{كُنْتُمْ}: فعل ماضٍ ناقص مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم كان، والميم علامة الجمع.
{بِهِ}: الباء حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (تمترون).
{تَمْتَرُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
وجملة {تَمْتَرُونَ}: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: تمترون فيه أو به، وجملة كان واسمها وخبرها صلة ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختام مشهد عذاب الكفار:
هذه الآية تمثل الخاتمة الحاسمة والضربة القاضية في تصوير جزاء الكفرة المكذبين؛ فبعد إيقاع العذاب الحسي والنفسي، يُقرر عليهم كفرهم السابق لإلزامهم بالحجة وإلجامهم عن الاعتذار أو التظلم.
التوافق النظمي مع بدايات السورة:
توافق تام مع قوله في مطلع السورة: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}؛ فالشك واللعب الذي كانوا فيه قد أفضى بهم حتماً إلى هذا الموقف الرهيب حيث لا مجال للشك ولا متسع للمماراة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: هل كان كفرهم مجرد شك عارض أم كان جحوداً وتكذيباً مستقراً، ولماذا عبر بالامتراء؟
المحاكمة والبيان:
الامتراء يجمع بين الشك الباطني والمماراة والجدل الظاهري بالباطل؛ فهم لم يكتفوا بإنكار البعث، بل كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: {مَا هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
فالتعبير بـ (تمترون) يكشف أنهم كانوا يعيشون في تناقض معرفي: بين براهين التوحيد الساطعة التي تقرع عقولهم وبين جحودهم واستكبارهم، حتى صار شكهم وجدالهم سبباً لهلاكهم الدائم.
الإشارة بـ {هَٰذَا}: تحويل الأمر من خبر كان يُكذب به في الغيب إلى واقع مشاهد تلمسه الأبدان وتراه الأعين عياناً؛ مما يضاعف من وطأة الخزي والحسرة.
تقديم الجار والمجرور {بِهِ}: للاهتمام والحصر؛ أي: بهذا العذاب بالذات الذي كنتم تخصونه بالشك والسخرية والاستبعاد.
البعد الوجداني: أشد العذاب على النفس أن ترى ما حُذرت منه عياناً بعد فوات أوان التدارك، حيث لا ينفع الندم ولا يُقبل الرجوع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين التام باليوم الآخر: تعميق الإيمان بالغيب واليقين بالجزاء والحساب، والابتعاد عن كل مراء وجدل عقيم يصد عن اتباع الحق.
النجاة بالاستسلام للوحي: الحذر من المماراة في آيات الله والتصديق المطلق بما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما أخبر به واقع لا محالة.