التوجيه بالمأثور: أخرج ابن جرير الطبري (٢٢/ ٧٥)مصدر غير محدد٢٢/٧٥، وابن أبي حاتم، عن قتادة وعكرمة في سبب نزول قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}: أنها نزلت في عدو الله أبي جهل بن هشام، حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً متبجحاً: أتتوعدني يا محمد؟! والله ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني! وإني لأكرم من وُلد بمكة، فلما كان يوم بدر قتله الله شر قتلة على أيدي غلمان الأنصار، وأورده الله جهنم ويقال له هذا القول توبيخاً وتبكيتاً واستهزاءً بباطل دعواه. وقال ابن كثير (٧/ ٢٦٣)مصدر غير محدد٧/٢٦٣: يقولون له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ والتحقير، أي: ألست كنت تزعم أنك العزيز الكريم؟ فذق الآن وبال كفرك وكذبك، فأنت الذليل الحقير المهان.
توجيه القراءات المتواترة:
قرأ الكسائي وحده: {ذُقْ أَنَّكَ} بفتح الهمزة المشددة النون؛ وتقديرها: ذق لأنك كنت تزعم أنك العزيز الكريم، أو ذق عذابك بأنك أنت العزيز الكريم في زعمك؛ فالهمزة مفتوحة بتقدير لام التعليل أو باء السببية.
وقرأ الباقون من القراء العشرة: {ذُقْ إِنَّكَ} بكسر الهمزة؛ على الاستئناف البياني لتعليل الأمر بالذوق، أو حكاية للفظ القول الموجه إليه تقريعاً وتبكيتاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{ذُقْ}: الذوق: اختبار طعم الشيء بالفم، ويستعار في القرآن كثيراً لمعاناة الشدائد وإدراك العذاب إدراكاً مباشراً؛ لأنه أبلغ في الوصول إلى الحس النفسي والجسدي.
{الْعَزِيزُ}: صفة مشبهة من العزة، وهي القوة والغلبة والمنعة التي لا يغلب صاحبها.
{الْكَرِيمُ}: صفة مشبهة من الكرم، وهو الشرف والرفعة والسخاء والصفح.
الإعراب الدقيق:
{ذُقْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والمفعول به محذوف تقديره: ذق العذاب أو ذق وبال أمرك.
{إِنَّكَ}: إنّ حرف توكيد ونصب مبني على الفتح، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب اسم إنّ.
{أَنْتَ}: ضمير فصل مبني على الفتح لا محل له من الإعراب يفيد التوكيد والقصر، أو في محل رفع مبتدأ، أو توكيد لاسم إنّ.
{الْعَزِيزُ}: خبر إنّ أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (أو خبر المبتدأ أنت).
وجملة {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}: تعليلية لا محل لها من الإعراب في قراءة الكسر، أو مسبوكة بمصدر مجرور بحرف جر محذوف في قراءة الفتح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الموقع البلاغي للأمر:
بعد أن فُعل به ما فُعل من الأخذ، والعتل، وصب الحميم، أُتبع العذاب الجسدي بالعذاب النفسي والتقريع المعنوي؛ ليتحقق سحق الكيان الداخلي للمتكبر كما سُحق كيانه الخارجي.
رد العجز على الصدر:
مواجهة ادعاءاته الباطلة في الدنيا بنفس ألفاظه التي افتخر بها، ليصير ما كان يراه مصدر عزه سبباً لخزيه الأبدي وسخرية الملائكة منه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإشكال: كيف يخاطب الكافر في جهنم بصفات المدح {الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} وهو في غاية الهوان والحقارة؟
المحاكمة والبيان:
هذا الأسلوب يسمى في البلاغة العربية الرصينة بـ التهكم والاستهزاء؛ كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، وقول الشاعر: (تحية بينهم ضرب وجيع).
لا يراد باللفظ إثبات العزة والكرم له حقيقة، بل تذكيره بزعمه الباطل وكبريائه الموهوم في الدنيا، لإظهار كمال عجزه وهوانه؛ فكأنه يقال له: أين عزتك التي كنت تمنع بها نفسك؟ وأين كرمك الذي كنت تتبجح به؟ انظر إلى حالك الآن كيف صرت أذل من كل ذليل وأحقر من كل مهان!
فن التهكم والسخرية التقريعية: من أبلغ فنون القول؛ إذ يجمع بين تدمير كبرياء العدو وكشف زيف مكانته بأقسى درجات البلاغة تأثيراً.
التوكيدات البلاغية: توكيد الجملة بـ إنّ، وضمير الفصل أنت، وتعريف الخبرين {العزيز الكريم} بأل؛ وكلها وسائل توكيد كانت تُستعمل لمدح العظماء، فوُظفت هنا لقلب المعنى تماماً وتعميق حسرة الكافر وخيبته.
الإشارة التدبرية: من تعزز بغير الله ذل، ومن تكبر على عباد الله وضعه الله، والعزة الحقيقية إنما هي لله ولرسوله وللمؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من آفة الغرور والاعتداد بالنفس: لا يغترن ذو سلطان بسلطانه، ولا ذو جاه بجاهه، فإن الجاه الدنيوي سرعان ما يزول ويبقى عمل الإنسان شاهداً له أو عليه.
التواضع لله والافتقار التام إليه: كلما ازداد العبد لله ذلاً وتواضعاً زاده الله رفعة وإكراماً في الدارين، وضمن له السلامة من خزي يوم الدين.